انخفاض مؤشر إمباير ستيت الصناعي الأمريكي مع تراجع زخم قطاع التصنيع

انخفاض مؤشر إمباير ستيت الصناعي الأمريكي مع تراجع زخم قطاع التصنيع

تراجع مؤشر إمباير ستيت الصناعي الأمريكي يسلّط الضوء على هشاشة زخم القطاع الصناعي

قدّم أحدث مسح لـ مؤشر إمباير ستيت الصناعي الأمريكي إشارة تحذيرية للأسواق، إذ تراجع نشاط التصنيع في ولاية نيويورك خلال شهر ديسمبر بعد أن أظهر تحسناً في الشهرين السابقين. ووفقاً لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، انخفض مؤشر ظروف الأعمال العامة بشكل حاد بمقدار 23 نقطة ليصل إلى -3.9، عائداً إلى منطقة الانكماش بعد أن سجّل في نوفمبر أقوى مستوى له خلال عام. وأي قراءة دون الصفر تعني انكماش النشاط، ويؤكد هذا التحول المفاجئ مدى عدم استقرار وهشاشة تعافي قطاع التصنيع الأمريكي مع اقتراب نهاية العام.

يشير تراجع المؤشر الرئيسي إلى أن الارتداد الذي شهده القطاع في الأشهر الأخيرة فقد زخمه بدلاً من أن يكتسب قوة إضافية. ورغم وضوح الانخفاض، فإن المكونات التفصيلية للمسح تعكس صورة أكثر توازناً. فقد استقرت الطلبات الجديدة. حيث أفاد نحو ثلث الشركات بزيادتها مقابل ثلث آخر أبلغ عن تراجعها، ما يشير إلى أن الطلب لم ينهَر. لكنه فشل أيضاً في تحقيق تحسّن ملموس. في المقابل، تراجعت الشحنات بشكل محدود، مع هبوط المؤشر 23 نقطة إلى -5.7. ما يدل على ضعف الإنتاج وأنشطة التسليم مع تبنّي الشركات نهجاً تشغيلياً أكثر حذراً.

واصلت ديناميكيات سلاسل التوريد التحسّن التدريجي. فقد تسارعت أوقات التسليم. حيث انخفض مؤشرها إلى -5.9، كما تراجعت الطلبات غير المنفذة إلى -14.9، وهو أدنى مستوى منذ يناير 2024. وتشير هذه القراءات إلى أن الشركات تواجه اختناقات وتراكمات أقل. وهو ما يرتبط عادة بتراجع الطلب أكثر من كونه ضغوطاً على جانب العرض. ومع ذلك، ظل توافر الإمدادات مقيداً. حيث بقي المؤشر سلبياً عند -6.9، ما يسلّط الضوء على استمرار بعض التحديات اللوجستية رغم تحسّن ظروف التسليم.

وفي الوقت نفسه، شهدت المخزونات نمواً طفيفاً، إذ سجّل مؤشر المخزونات 4.0، ما يدل على أن الشركات بدأت تدريجياً في إعادة بناء مخزونها. وقد يعكس ذلك توقعات بتحسّن الطلب مستقبلاً أكثر من كونه ثقة بالظروف الحالية. خاصة في ظل الإشارات المتباينة التي أظهرها التقرير.

استقرار التوظيف وتراجع ضغوط الأسعار مع بقائها مرتفعة

على الرغم من ضعف النشاط العام، ظلّ مكوّن سوق العمل في المسح متماسكاً نسبياً. فقد ارتفع مؤشر عدد الموظفين إلى 7.3، مسجلاً سادس قراءة إيجابية خلال الأشهر السبعة الماضية، في حين ارتفع متوسط أسبوع العمل إلى 3.5. وتشير هذه الأرقام إلى أن شركات التصنيع ما زالت تضيف عمالة بشكل محدود وتزيد ساعات العمل. ما يدل على أن الشركات لم تبدأ بعد في الاستجابة لتباطؤ الطلب عبر خفض العمالة بشكل حاد.

ويعكس هذا التماسك في التوظيف حذراً أوسع لدى المصنّعين، الذين قد يترددون في الاستغناء عن العمال وسط استمرار حالة عدم اليقين بشأن الطلب المستقبلي، إضافة إلى صعوبة إعادة توظيف العمالة الماهرة إذا تحسنت الظروف لاحقاً. ومن منظور اقتصادي كلي، فإن استقرار التوظيف في قطاع التصنيع يدعم سوق العمل الأوسع ويقلل من مخاطر تحوّل التباطؤ إلى خسائر وظيفية سريعة.

أما مؤشرات التضخم، فقد حظيت بمتابعة دقيقة من قبل الأسواق، وهنا قدّم المسح إشارة أكثر إيجابية. فقد انخفض كلا مؤشري الأسعار للشهر الثاني على التوالي، ما يشير إلى أن الضغوط التضخمية على مستوى المصانع قد تكون في طريقها إلى التراجع. وتراجع مؤشر الأسعار المدفوعة بمقدار 11 نقطة إلى 37.6، وهو أدنى مستوى له منذ يناير. في حين انخفض مؤشر الأسعار المستلمة بمقدار 4 نقاط إلى 19.8. ورغم أن هذه القراءات لا تزال مرتفعة نسبياً، فإن الاتجاه الهبوطي يوحي بأن ضغوط التكاليف لم تعد تتصاعد. وهو عامل مهم في قرارات السياسة النقدية.

كما تحسنت نوايا الإنفاق الرأسمالي، إذ ارتفع مؤشر النفقات الرأسمالية إلى 6.9. ما يشير إلى زيادة طفيفة في الاستثمارات المخطط لها. ويعكس ذلك أن الشركات، رغم تراجع النشاط الحالي، لا تزال مستعدة لتخصيص رأس مال للنمو المستقبلي. خاصة إذا استقر الطلب خلال بدايات عام 2026.

تأثير الأسواق: تفاعل الدولار والسندات والأسهم ومعنويات المخاطرة

تفاعلت الأسواق المالية مع تقرير مؤشر إمباير ستيت الصناعي بحذر محسوب، وليس بعزوف كامل عن المخاطرة. فقد عزز عودة المؤشر الرئيسي إلى منطقة الانكماش المخاوف بشأن تباطؤ الزخم الصناعي، لا سيما في ظل إظهار مسوح التصنيع الإقليمية الأخرى أداءً غير متوازن. ونتيجة لذلك، تراجعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية بشكل طفيف، مع أداء أضعف لأسهم القطاعين الصناعي ومواد الخام مقارنة بالمؤشرات العامة.

في سوق السندات، انخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية بشكل محدود عقب صدور التقرير، لا سيما عند الآجال القصيرة. ويعزز مزيج تباطؤ النشاط وتراجع الضغوط السعرية التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يمتلك هامشاً لتخفيف السياسة النقدية خلال العام المقبل، في حال واصل التضخم التراجع. كما أضاف تباطؤ مؤشري الأسعار المدفوعة والمستلمة دعماً لهذا التصور، معززاً فكرة أن مخاطر التضخم باتت أكثر توازناً.

أما الدولار الأميركي، فقد أظهر رد فعل محدوداً، في انعكاس للطبيعة المختلطة للتقرير. فبينما يمكن لضعف النشاط أن يضغط على العملة، إلا أن تحسن ديناميكيات التضخم وقوة التوقعات المستقبلية حالا دون حدوث تحرك حاسم. ونظر متداولو العملات إلى البيانات على أنها تعزز سيناريو تباطؤ تدريجي، وليس بداية لانكماش حاد.

ومن منظور أوسع للمخاطر، ساهم التقرير في ترسيخ بيئة سوق تعتمد بشكل كبير على البيانات. حيث يظل المتداولون مترددين في اتخاذ مراكز قوية قبل صدور إشارات أوضح من البيانات الاقتصادية المقبلة وتواصلات الاحتياطي الفيدرالي.

الخلاصة: قطاع عند مفترق طرق

يؤكد مؤشر إمباير ستيت الصناعي لشهر ديسمبر أن قطاع التصنيع الأميركي لا يزال غير متوازن وهشاً، مع عودة النشاط إلى الانكماش بعد انتعاش قصير. ومع ذلك، يسلط التقرير الضوء على عوامل تعويضية مهمة. إذ حافظ التوظيف على متانته، وتراجعت الضغوط السعرية، وتحسنت خطط الإنفاق الرأسمالي، وارتفعت التوقعات المستقبلية.

بالنسبة للأسواق، يشير هذا المزيج إلى أنه رغم استمرار مخاطر النمو على المدى القريب، فإن أسس الاستقرار قد تكون في طور التشكّل. وينبغي على المتداولين البقاء يقظين لاحتمالات التقلب مع اقتراب صدور بيانات اقتصادية جديدة.