حافظت أسعار الذهب على مستويات مرتفعة خلال تعاملات اليوم، في ظل استمرار الأسواق العالمية في مواجهة تصاعد التوترات الجيوسياسية والمخاوف المتعلقة باستقلالية البنوك المركزية. وكان المعدن النفيس قد لامس مؤخرًا قممًا تاريخية فوق مستوى 4,600 دولار للأونصة، مدفوعًا بتزايد الطلب على الملاذات الآمنة وسط اضطرابات سياسية واقتصادية، قبل أن يدخل في حالة من الاستقرار النسبي خلال جلسة اليوم. وتعكس هذه القوة المستمرة تحوّلًا واضحًا في توجهات المستثمرين نحو الأصول الدفاعية، مع تزايد الضغوط على أسواق المخاطر التقليدية.
وبحسب بيانات الأسعار اللحظية، واصل الذهب التداول أعلى مستويات نفسية مهمة هذا الأسبوع. حيث تحركت الأسعار الفورية في نطاق 4,580 – 4,600 دولار للأونصة، ما يعكس استمرار الزخم الصاعد في الأسواق العالمية. كما ساهم ضعف الدولار الأمريكي، الذي يتحرك عادة بعلاقة عكسية مع الذهب، في تعزيز جاذبية المعدن النفيس، خاصة بعد التطورات القانونية المتعلقة بالتحقيق مع رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، والتي أثارت قلق الأسواق بشأن استقلالية البنك المركزي واتجاه السياسة النقدية مستقبلًا. ونتيجة لذلك، اتجه المستثمرون نحو الذهب وملاذات آمنة أخرى مثل الفضة والفرنك السويسري، بحثًا عن الحماية من تقلبات الأسواق.
وفي الهند وعدد من أسواق السبائك الرئيسية، سجلت أسعار الذهب المحلية أيضًا قممًا جديدة. ففي مدينة أحمد آباد، ارتفع سعر الذهب إلى نحو 1.44 لاك روبية لكل 10 غرامات، مسجلًا زيادة ملحوظة مقارنة بالجلسات السابقة. وأرجعت جمعيات الذهب المحلية هذا الارتفاع إلى استمرار الزخم العالمي وتزايد الطلب التحوطي مع تصاعد المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية. كما حققت الفضة مكاسب قوية، ما يعكس الطلب المرتفع على المعادن كأدوات تحوط في أوقات عدم اليقين.
العوامل الداعمة لارتفاع الذهب
يشير المحللون إلى عدة أسباب رئيسية تقف وراء قوة الذهب الأخيرة:
- التوترات الجيوسياسية واللجوء إلى الملاذات الآمنة
استمرار الاضطرابات العالمية، سواء في الشرق الأوسط أو في الاقتصادات الكبرى، عزز من مكانة الذهب كأداة موثوقة لحفظ القيمة خلال فترات تجنب المخاطر. وحتى التصعيد المحدود في النزاعات الجيوسياسية غالبًا ما يدفع المستثمرين نحو الذهب.
- الغموض حول السياسة الأمريكية
التحقيق الجنائي غير المسبوق المتعلق برئيس الاحتياطي الفيدرالي أثار قلق الأسواق، وأضعف الثقة في استقلالية البنك المركزي، ما ضغط على الدولار الأمريكي. ويؤدي ضعف الدولار عادة إلى دعم أسعار الذهب، من خلال جعله أكثر جاذبية للمستثمرين من حاملي العملات الأخرى.
- الزخم الفني وتسجيل قمم تاريخية
اختراق المعدن الأصفر لمستويات قياسية خلق تأثير زخم فني. حيث تشجع الاختراقات أعلى مستويات محورية على دخول مزيد من السيولة من المستثمرين الأفراد والمؤسسات. وغالبًا ما تُعد مستويات مثل 4,500 و4,600 دولار مؤشرات مهمة على قوة الاتجاه.
تفاعلات الأسواق والتأثير الأوسع
أدى صعود المعدن الأصفر إلى انعكاسات واضحة على الأسواق المالية الأخرى. فقد تعرضت أسهم البنوك والقطاعات الحساسة للائتمان لبعض الضغوط، في ظل توجه المستثمرين نحو الأصول الدفاعية. في المقابل، واصلت الملاذات الآمنة مثل الذهب والفضة تحقيق أداء قوي، ما يعكس حالة عزوف عن المخاطر في الأسواق. كما شهدت عوائد السندات تحركات متباينة مع إعادة تقييم توقعات أسعار الفائدة في ضوء البيانات الاقتصادية والغموض السياسي.
وفي أسواق السلع، يرى محللون أن استمرار قوة الذهب قد يدفع المؤسسات إلى إعادة النظر في استراتيجيات التنويع. وتجدر الإشارة إلى أن العديد من البنوك المركزية كانت من كبار مشتري الذهب خلال السنوات الأخيرة. وهو اتجاه قد يستمر إذا ظلت المخاطر الجيوسياسية ومخاوف التضخم قائمة حتى عام 2026. كما أن الطلب الاستثماري عبر صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) والأسواق الفعلية قد يساهم في دعم الأسعار المرتفعة خلال الفترة المقبلة.
النظرة المستقبلية: ما التالي لأسعار الذهب؟
رغم تسجيل بعض التراجع الطفيف عن القمم الأخيرة، يرى العديد من المراقبين أن العوامل الأساسية الداعمة للذهب لا تزال قوية. وتشير توقعات مؤسسات مالية كبرى إلى إمكانية اختبار مستويات أعلى خلال عام 2026، مدعومة بمشتريات البنوك المركزية واستمرار التوترات الجيوسياسية وتوجهات نقدية مرنة. وحتى في حال تحسن الأوضاع الاقتصادية، يبقى الذهب عنصرًا مهمًا في تنويع المحافظ الاستثمارية، خاصة للمستثمرين الحذرين من المخاطر.
ومع ذلك، تبقى هناك مخاطر محتملة، مثل تعافي أقوى للاقتصاد الأمريكي، أو تشديد غير متوقع للسياسة النقدية، أو انحسار التوترات السياسية. وهي عوامل قد تقلل من الإقبال على الملاذات الآمنة وتؤدي إلى تصحيحات سعرية. وسيواصل المتداولون والمستثمرون مراقبة البيانات الاقتصادية، وتصريحات البنوك المركزية، والتطورات الجيوسياسية عن كثب، لما لها من تأثير مباشر على مسار الذهب خلال عام 2026.