أظهرت بيانات التضخم في الولايات المتحدة مزيدًا من التراجع خلال شهر ديسمبر، ما عزز التوقعات بأن ضغوط الأسعار تواصل الانحسار تدريجيًا، رغم استمرار حذر الاحتياطي الفيدرالي بشأن خطواته القادمة في السياسة النقدية. ووفقًا للبيانات الصادرة يوم الثلاثاء عن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي (BLS)، ارتفعت أسعار المستهلك الأساسية. التي تستثني الغذاء والطاقة، بنسبة 0.2% على أساس شهري و2.6% على أساس سنوي. وجاءت القراءتان دون توقعات الأسواق بنحو 0.1 نقطة مئوية.
القراءة الأضعف من المتوقع للتضخم الأساسي عززت ثقة الأسواق في أن الضغوط السعرية الكامنة آخذة في التراجع بعد سنوات من التضخم المرتفع. ويراقب مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي مؤشر التضخم الأساسي عن كثب بوصفه مقياسًا أكثر موثوقية لاتجاهات التضخم طويلة الأجل. ما يجعل بيانات ديسمبر ذات أهمية خاصة في تقييم مدى فعالية تخفيضات الفائدة السابقة.
وعلى مستوى التضخم العام، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك (CPI) بنسبة 0.3% خلال ديسمبر، ليصل المعدل السنوي إلى 2.7%. وهو ما جاء مطابقًا لتوقعات الإجماع. ورغم بقاء التضخم العام فوق هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، فإن الجمع بين تباطؤ التضخم الأساسي واستقرار القراءة العامة يشير إلى تقدم نحو استقرار الأسعار، وإن لم يكن كافيًا بعد لإعلان تحقيق الهدف.
السكن والخدمات تُبقي التضخم مرتفعًا نسبيًا رغم التباطؤ
على الرغم من الإشارة الإيجابية من تباطؤ التضخم الأساسي، أبرز التقرير استمرار ضغوط الأسعار في بعض المكونات، وفي مقدمتها تكاليف السكن. فقد ارتفع مؤشر السكن بنسبة 0.4% خلال ديسمبر وبنسبة 3.2% على أساس سنوي. وهو المكوّن الأكبر وزنًا في المؤشر العام، ما جعله المساهم الرئيسي في الزيادة الشهرية. ولا يزال خبراء الاقتصاد يرون أن تضخم السكن يمثل عقبة أساسية أمام عودة أسرع إلى هدف التضخم.
كما أظهرت فئات خدمية أخرى قوة ملحوظة؛ إذ قفزت أسعار الترفيه بنسبة 1.2%، أكبر زيادة شهرية منذ بدء تسجيل البيانات عام 1993. فيما ارتفعت أسعار تذاكر الطيران وتكاليف الرعاية الطبية. وارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 0.7%، رغم تسجيل انفراج لافت في أسعار البيض التي تراجعت 8.2% خلال ديسمبر ونحو 21% على أساس سنوي بعد زيادات حادة سابقة.
في المقابل، شهدت عدة فئات من السلع انكماشًا سعريًا؛ إذ انخفضت أسعار السيارات والشاحنات المستعملة بنسبة 1.1%، وتراجعت خدمات الاتصالات بنسبة 1.9%. فيما استقرت أسعار السيارات الجديدة. كما انخفضت أسعار الأثاث المنزلي بنسبة 0.5%. مدعومة بتراجع ضغوط الرسوم الجمركية بعد تراجع الرئيس دونالد ترامب عن زيادات مقترحة على واردات هذا القطاع.
تفاعل الأسواق: صعود الأسهم وتراجع العوائد مع استقرار آمال خفض الفائدة
تفاعلت الأسواق المالية سريعًا مع بيانات التضخم. فقد ارتفعت عقود الأسهم الأمريكية بدافع ارتياح المستثمرين لعدم عودة التضخم للتسارع. في حين تراجعت عوائد سندات الخزانة، في إشارة إلى انخفاض مخاطر التضخم على المدى القريب وتراجع الحاجة لتشديد نقدي إضافي. ويعكس هذا التفاعل قراءة الأسواق للبيانات على أنها داعمة للاستقرار الاقتصادي.
مع ذلك، من غير المرجح أن يدفع التقرير إلى تحرك فوري في السياسة النقدية. فقد خفّض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة ثلاث مرات في أواخر 2025. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقيها دون تغيير على الأقل خلال النصف الأول من 2026. ريثما يقيّم الأثر التراكمي لتلك التخفيضات. ولا يزال صانعو السياسة يوازنون بين مخاطر سوق العمل واحتمال بقاء التضخم فوق الهدف لفترة أطول.
وفي هذا السياق، أشارت إلين زينتنر، كبيرة الاستراتيجيين الاقتصاديين في مورغان ستانلي لإدارة الثروات، إلى أن التقرير يؤكد تباطؤ التضخم، لكنه لا يتراجع بالسرعة الكافية لتبرير خفض قريب للفائدة. كما يواصل مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي التعامل بحذر مع الأثر التضخمي للرسوم التجارية. مع اعتبار معظمهم أن هذه التأثيرات مؤقتة وليست هيكلية.
بوجه عام، يعزز تقرير ديسمبر لمؤشر أسعار المستهلك نهج «الترقب والمراقبة» لدى الاحتياطي الفيدرالي، مقدّمًا طمأنة بأن التضخم يسير في الاتجاه الصحيح، مع التأكيد على أن العودة الكاملة إلى هدف 2% قد تتطلب مزيدًا من الوقت.