سجلت أسعار الفضة ارتفاعًا حادًا في الأسواق المالية العالمية اليوم، مواصلة مكاسبها الأخيرة ودافعة عقودها الآجلة إلى مستويات قياسية جديدة على الإطلاق، في وقت اتجه فيه المستثمرون بقوة نحو الملاذات الآمنة مع تصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي عالميًا.
وارتفعت الفضة للتسليم الفوري بشكل حاسم. حيث جرى تداولها أعلى مستوى 94 دولارًا للأونصة تقريبًا، محققة مكاسب قوية تراوحت بين 5% و7% خلال الجلسة، وفقًا لأحدث أسعار البورصات العالمية. ويعكس هذا الصعود القوي في الفضة موجة الزخم الواسعة التي تشهدها أسواق المعادن الثمينة خلال الأيام الأخيرة، مع إعادة تسعير المخاطر الماكرو اقتصادية على مستوى الأسواق العالمية.
وأشار المشاركون في السوق إلى تنامي الطلب على الملاذات الآمنة عقب تجدد التوترات الناتجة عن تطورات سياسية في أوروبا، إلى جانب تهديدات متعلقة بالرسوم الجمركية صادرة من الولايات المتحدة، وهي عوامل أثرت سلبًا على الأصول عالية المخاطر بشكل عام. هذه البيئة دفعت رؤوس الأموال إلى التدفق نحو المعادن التي تستفيد تقليديًا من موجات الهروب إلى الجودة، وعلى رأسها الذهب الذي سجل بدوره مستويات قياسية جديدة. والفضة التي باتت تتداول باستمرار قرب أو أعلى قممها التاريخية السابقة، في نمط يعكس تصاعد قلق المستثمرين.
حركة الأسعار وقوة سوق العقود الآجلة
أظهرت أسعار عقود الفضة الآجلة اختراقًا ملحوظًا على كبرى البورصات العالمية. فقد سجلت عقود الفضة (XAG)، بما في ذلك عقود الشهر القريب ومواعيد التسليم المجاورة، مكاسب قوية ضمن نطاق 93 إلى 95 دولارًا للأونصة. مع ارتفاع العديد من العقود بنسبة تتراوح بين 5% و7% خلال اليوم. وتعكس هذه القوة دخول مشترين تقليديين إلى السوق إلى جانب مشاركة مضاربية نشطة. مدعومة بزخم مستمر واختراقات فنية لمستويات مقاومة سابقة.
تمثل هذه الحركة السعرية امتدادًا لاتجاه صاعد استمر عدة جلسات. حيث توسع نطاق تداول الفضة من مستويات أوائل يناير قرب أوائل الثمانينيات دولارًا إلى منتصف التسعينيات للأونصة. هذا الانتقال الواضح نحو أسعار أعلى ساهم في ارتفاع ملحوظ في أحجام التداول داخل سوق العقود الآجلة. مع زيادة كل من الفائدة المفتوحة وحجم التداول. وهي مؤشرات يعتمد عليها المتداولون عادة لتأكيد استدامة الاتجاه الصاعد.
ويشير محللون إلى أن مكاسب اليوم تضع الفضة في إطار أوسع من مجرد قصة سلعية قصيرة الأجل، بل كجزء من سرد اقتصادي كلي مرتبط بتقلبات الأسواق، وتوقعات البنوك المركزية، والعلاقات المتقاطعة بين الأسهم والسندات والعملات.
لماذا ترتفع الفضة؟
تقف عدة عوامل رئيسية خلف الأداء القوي للفضة:
- الشراء التحوطي (الملاذ الآمن):
مع تعرض أسواق الأسهم العالمية لضغوط وارتفاع المخاطر الجيوسياسية، اتجهت الأموال المؤسسية وأموال المستثمرين الأفراد إلى المعادن الثمينة. وعلى الرغم من الطابع الصناعي للفضة، إلا أنها غالبًا ما تلعب دور أداة تحوط خلال فترات عدم اليقين. خاصة عندما تكون أسعار الذهب مرتفعة بالفعل. حيث تجذب الفضة تدفقات إضافية بفضل انخفاض سعرها النسبي.
- السياسة النقدية والعوائد الحقيقية:
توقعات أسعار الفائدة، لا سيما التوقعات بخفض الفائدة مستقبلًا من قبل البنوك المركزية الكبرى، ساهمت في خفض العوائد الحقيقية (العوائد المعدلة بالتضخم). ما يزيد من جاذبية الأصول غير المدرة للعائد مثل الفضة. انخفاض العوائد الحقيقية يقلل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعادن، ويدعم ارتفاع الأسعار.
- تموضع المستثمرين على المستوى الكلي:
بات المتداولون يتعاملون مع الفضة ليس فقط كمعدن صناعي، بل كجزء من “منظومة الأصول الآمنة” إلى جانب الذهب. هذا التحول في التمركز يظهر عادة عندما ترتفع المخاطر الاقتصادية، وقد تسارعت وتيرته مؤخرًا بفعل أخبار الرسوم الجمركية والتوترات الجيوسياسية.
هذه الخلفية تفسر لماذا تواصل الفضة إظهار مرونة حتى بعد موجات صعود سابقة، ولماذا عكست جلسة اليوم قناعة استثمارية قوية بدلًا من مجرد قفزة مؤقتة مدفوعة بالعناوين.
مقارنة مع الذهب واتساع موجة صعود المعادن الثمينة
لم يأتِ صعود الفضة اليوم بمعزل عن بقية السوق. فقد سجل الذهب، باعتباره الملاذ الآمن التقليدي، ارتفاعات قياسية جديدة أعلى 4,800 دولار للأونصة خلال الجلسات الأخيرة. ولاحظ المتداولون أن أداء الفضة بات مرتبطًا بزخم الذهب. وبينما يقود الذهب عادة موجات العزوف عن المخاطرة، فإن مكاسب الفضة جاءت أكبر من حيث النسبة المئوية. وهو ما يتماشى مع تاريخها المعروف بارتفاع التقلبات وازدياد الاهتمام المضاربي.
يأتي هذا الزخم في المعادن الثمينة في وقت تظهر فيه أسواق السلع الأخرى اتجاهات متباينة: فالمعادن الأساسية تتفاعل أكثر مع توقعات الطلب الصناعي. في حين تظل أسعار الطاقة حساسة لتطورات العرض والعوامل الموسمية. وتمنح الطبيعة المزدوجة للفضة، كملاذ للقيمة ومعدن صناعي، موقعًا فريدًا وسط هذه القوى المتداخلة.
آراء المستثمرين والمحللين
يحذر محللو الأسواق من أن ارتفاع الفضة، رغم قوته، لا يخلو من مخاطر التقلب المرتفع. فحركة الأسعار في سوق العقود الآجلة غالبًا ما تعكس إعادة تموضع سريعة. وقد تشهد السوق تراجعات قصيرة الأجل مع قيام المتداولين بجني الأرباح أو تعديل مراكزهم استجابة لأي مستجدات ماكرو اقتصادية. ومع ذلك، يرى كثير من المحللين أن المسار الحالي يؤكد وجود دعم هيكلي للأسعار عند مستويات مرتفعة. طالما بقيت حالة عدم اليقين هي العنوان الأبرز في الأسواق.
بعض الأصوات داخل مجتمع المعادن الثمينة تضع هذا الارتفاع ضمن ما يُعرف بسردية “تآكل القيمة النقدية”. حيث تتدفق الأموال خارج الأصول المالية التقليدية مثل الأسهم والسندات نحو الأصول الحقيقية التي يُنظر إليها على أنها أكثر قدرة على الاحتفاظ بالقيمة. وقد برز هذا الطرح بشكل واضح هذا الأسبوع، بالتزامن مع تراجع ملحوظ في الأسهم الأمريكية وارتفاع قوي في السلع.
ما الذي يراقبه المتداولون لاحقًا؟
مع تداول الفضة قرب أو فوق مستوياتها القياسية، يركز المتداولون والمستثمرون على مجموعة من المؤشرات والمحركات الرئيسية:
بيانات وتصريحات السياسة النقدية: خاصة إشارات البنوك المركزية مثل الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي بشأن مسار أسعار الفائدة.
مؤشرات شهية المخاطرة: تقلبات مؤشرات الأسهم، مستويات مؤشر الخوف (VIX)، وفروق العوائد الائتمانية، التي تؤثر مباشرة على تدفقات الأصول الخطرة والملاذات الآمنة.
إشارات العرض والطلب: اتجاهات الطلب الصناعي، مستويات المخزون في الأسواق الفعلية الرئيسية، وهيكل سوق العقود الآجلة (حالات الكونتانغو أو الباكورديشن التي قد تعكس شحًا أو وفرة في المعروض).
الارتباط مع الذهب: التغيرات في نسبة الذهب إلى الفضة، وهي أداة يعتمد عليها كثير من المتداولين لقياس القيمة النسبية أو تأكيد الاتجاهات.
ومع تركيز السوق على هذه العوامل، من المتوقع أن تتحدد التحركات القادمة للفضة من خلال مزيج من المزاج الماكرو اقتصادي والديناميكيات الفنية. ما يجعل إغلاق اليوم القوي نقطة مرجعية مهمة لتحركات الأسعار المقبلة.