خطاب ترامب يُنعش الأسواق: كيف حرّك ترامب الأسواق خلال دقائق

خطاب ترامب يُنعش الأسواق: كيف حرّك ترامب الأسواق خلال دقائق

ألقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم خطابًا طال انتظاره خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس – سويسرا، تناول فيه موقفه المثير للجدل بشأن جزيرة غرينلاند وتداعياته على السياسة الخارجية الأمريكية. وجاءت تصريحاته، ولا سيما استبعاده اللجوء إلى القوة العسكرية في السعي للسيطرة على الجزيرة، لتُحدث تأثيرًا فوريًا وواسع النطاق في الأسواق المالية العالمية. حيث ارتفعت الأسهم، وهدأت علاوات المخاطر، وأُعيد تسعير الأصول خلال دقائق من الخطاب.

وخلال كلمته أمام قادة العالم وكبرى المؤسسات الاستثمارية، دعا ترامب إلى «مفاوضات فورية» مع الدنمارك بشأن غرينلاند. لكنه شدد مرارًا على أنه لن يستخدم القوة العسكرية لتحقيق هذا الهدف. وقال ترامب حرفيًا خلال خطابه المطول في دافوس: «لا أريد استخدام القوة. ولن أستخدم القوة»، في محاولة واضحة لتهدئة المخاوف التي سادت الأسواق من احتمال تصعيد جيوسياسي خطير.

ورغم تأكيده أن غرينلاند تمثل أهمية استراتيجية حيوية للأمن القومي الأمريكي، فإن توضيحه بشأن النهج غير العسكري ساهم في تهدئة الأسواق بعد موجة بيع حادة شهدتها الجلسات السابقة، والتي كانت مرتبطة بتهديدات جمركية وتصاعد التوترات الجيوسياسية في وقت سابق من الأسبوع. وقد بدا الارتياح واضحًا في تحركات الأسواق فور انتهاء الخطاب.

أسواق الأسهم تنتعش مع تحسّن شهية المخاطرة

تفاعلت أسواق الأسهم العالمية بإيجابية ملحوظة فور استبعاد ترامب استخدام القوة العسكرية:

  • الأسهم الأمريكية سجلت ارتدادًا قويًا:

ارتفع مؤشر داو جونز الصناعي بأكثر من 350 نقطة من أدنى مستوياته الأخيرة. فيما صعد كل من S&P 500 وناسداك المركب بنحو 0.7% خلال التداولات التي أعقبت الخطاب. وساعد هذا الارتفاع المؤشرات على استعادة جزء من الخسائر الحادة التي تكبدتها في الجلسة السابقة. عندما أدت المخاوف الجيوسياسية إلى موجة بيع قوية.

  • نتائج شركات إيجابية دعمت المعنويات:

تلقى المستثمرون دعمًا إضافيًا من نتائج أرباح أفضل من المتوقع لبعض الشركات. من بينها شركة هاليبرتون لخدمات حقول النفط وشركة يونايتد إيرلاينز، ما عزز شهية المخاطرة في القطاعات الدورية والصناعية.

وأشار محللون إلى أن الأسواق كانت قد دخلت حالة اضطراب شديدة بسبب تهديدات ترامب السابقة بفرض رسوم جمركية تصل إلى 10% على عدد من دول الناتو والدول الأوروبية التي أبدت تحفظًا على مطالبه المتعلقة بغرينلاند. هذه التطورات غذّت ما وُصف بـ«تجارة بيع أمريكا»، وأسهمت في دفع الأسهم الأمريكية إلى هبوط حاد يوم الثلاثاء. أما نبرة ترامب الأكثر هدوءًا في دافوس، فقد ساعدت على استعادة الثقة وتقليص الضغوط البيعية.

الذهب يتراجع من قممه القياسية مع تراجع علاوة المخاطر

شهدت أسعار الذهب، التي كانت قد قفزت بقوة في وقت سابق بدعم من الطلب على الملاذات الآمنة، تراجعًا محدودًا بعد تصريحات ترامب، في إشارة إلى انحسار جزئي لعلاوة المخاطر الجيوسياسية.

فبعد أن سجل الذهب قممًا تاريخية جديدة قرب مستوى 4,890 دولارًا للأونصة، تراجع الذهب باتجاه منطقة 4,850 دولارًا.

ويُفسر هذا التحرك على أنه جني أرباح أكثر من كونه انعكاسًا في الاتجاه. حيث أعاد المستثمرون تقييم المخاطر الفورية عقب تأكيد ترامب عدم استخدام القوة العسكرية. وعلى الرغم من هذا التراجع، ظل الذهب عند مستويات مرتفعة. ما يعكس استمرار حالة عدم اليقين الأوسع نطاقًا، بما في ذلك الضغوط التجارية والتوترات الدبلوماسية مع أوروبا، كعوامل داعمة للطلب على المعدن الأصفر.

الفضة تشهد تقلبات أكبر مع تغيّر شهية المخاطرة

أظهرت الفضة تقلبًا أعلى من الذهب، بما يتماشى مع طبيعتها المزدوجة كملاذ آمن ومعدن حساس للنمو الاقتصادي. فبعد تداولها قرب قمم حديثة أعلى مستوى 95 دولارًا للأونصة، تراجعت أسعار الفضة باتجاه نطاق 93.50 – 94.00 دولارًا، بالتزامن مع تراجع حدة العزوف الشديد عن المخاطرة.

ويعكس هذا السلوك كيفية تفاعل الفضة بشكل أسرع وأقوى مع تغير المزاج العام للأسواق. حيث يقوم المتداولون بإعادة موازنة مراكزهم بين الأصول الدفاعية وأصول المخاطرة. ورغم حدة التراجع، بقيت الأسعار أعلى بكثير من مستويات الاختراق السابقة. ما يشير إلى استمرار استفادة الفضة من الاتجاه الصاعد الأوسع في أسواق المعادن الثمينة.

أسواق الطاقة تستقر مع تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية

أظهرت أسعار النفط الخام استقرارًا نسبيًا مع ميل طفيف للصعود. حيث جرى التداول قرب نطاق 60–61 دولارًا للبرميل بعد تقلبات سابقة. وأسهم غياب خطر التصعيد العسكري في تقليص مخاوف الصدمات المفاجئة في الإمدادات. ما حدّ من الضغوط الصعودية، في حين منعت التوترات الجيوسياسية المستمرة وعدم اليقين التجاري حدوث تراجع حاد.

وتشير استجابة النفط إلى أن الأسواق باتت توازن بين انخفاض مخاطر الصراع الفوري وبين استمرار الضبابية المتعلقة بالنمو العالمي والسياسة التجارية.

العملات وعوائد السندات تعكس إشارات مخاطرة مختلطة

في أسواق العملات، شهد الدولار الأمريكي بعض الضعف الطفيف مع تحسن شهية المخاطرة، متراجعًا أمام عدد من العملات الرئيسية. ويعكس هذا التحول انخفاض علاوة المخاطر الفورية عقب تصريحات ترامب غير العسكرية بشأن غرينلاند. والتي خففت المخاوف من تصعيد عالمي مفاجئ.

أما في أسواق السندات، فقد شهدت العوائد تراجعًا محدودًا بعد ارتفاعات سابقة، مع إعادة تقييم المتداولين للمخاطر طويلة الأجل في ضوء خطاب اليوم. فقد تراجعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات قليلًا بعد أن كانت قد ارتفعت في وقت سابق من الأسبوع بفعل المخاوف الجيوسياسية، في ظل موازنة المستثمرين بين الطلب على الذهب كملاذ آمن وتجدد الثقة في الأصول عالية المخاطر.

التداعيات الجيوسياسية والآثار طويلة الأجل على الأسواق

ورغم أن استبعاد ترامب لاستخدام القوة العسكرية وفّر ارتياحًا فوريًا للأسواق، فإن التوترات الأوسع لا تزال قائمة:

  • استمرار تأكيد ترامب على أن غرينلاند تمثل عنصرًا أساسيًا في الأمن القومي الأمريكي، وتلميحه إلى أن على الدنمارك وحلفاء الناتو الاختيار بين القبول أو مواجهة تداعيات، يُبقي حالة التوتر الدبلوماسي قائمة وقد يؤثر في مفاوضات التجارة المستقبلية.
  • الرد الأوروبي جاء سريعًا، حيث جمدت بعض اللجان التجارية العمل على اتفاقيات تجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وأكدت أصوات في بروكسل أن العلاقات التجارية لا يمكن أن تسير كالمعتاد طالما استمرت التهديدات الأمريكية.
  • ورغم أن استبعاد الخيار العسكري خفف أخطر أشكال المخاطر الجيوسياسية، فإن شبح الرسوم الجمركية والإجراءات الانتقامية وتراجع التعاون عبر الأطلسي لا يزال يلقي بظلاله على توقعات الأسواق في الأسابيع المقبلة.

الخلاصة: هدوء مؤقت بعد موجة الخطاب… لكن المخاطر لا تزال مرتفعة

أحدث خطاب الرئيس ترامب في دافوس تأثيرًا مهدئًا واضحًا على الأسواق المالية: ارتدت مؤشرات الأسهم الأمريكية، وأُعيد تسعير المعادن الثمينة، وتكيفت عوائد السندات مع نظرة أكثر توازنًا للمخاطر بعد التأكيد على استبعاد استخدام القوة العسكرية للاستحواذ على غرينلاند.

لكن في المقابل، لا تزال الرواية الأوسع للتوترات الجيوسياسية، لا سيما مع أوروبا وحلف الناتو، قائمة. ومن المرجح أن يواصل المتداولون والمستثمرون مراقبة التطورات الدبلوماسية، وإشارات السياسة الجمركية، والبيانات الاقتصادية القادمة عن كثب، بحثًا عن مؤشرات حول مدى قدرة هذا التوازن الحالي على الصمود قبل ظهور المحرك الرئيسي التالي للأسواق.