عزّزت بيانات طلبات إعانة البطالة الأمريكية الأسبوعية، التي صدرت قبل نحو ساعة، مؤشرات متانة سوق العمل الأمريكي، في تقرير يراقبه المستثمرون وصنّاع السياسات عن كثب لاستخلاص إشارات حول زخم الاقتصاد والخطوة المقبلة للاحتياطي الفيدرالي.
ورغم الارتفاع الطفيف في الطلبات الأولية، فإن المؤشرات الأوسع عكست استمرار القوة في سوق العمل. وهو ما انعكس فورًا على توقعات الأسواق تجاه الأسهم والسندات والدولار الأمريكي.
ووفقًا لوزارة العمل الأمريكية، ارتفعت طلبات إعانة البطالة الأولية المعدلة موسميًا بشكل هامشي إلى 200 ألف طلب خلال الأسبوع المنتهي في 17 يناير. بزيادة قدرها ألف طلب فقط مقارنة بالقراءة المعدلة للأسبوع السابق البالغة 199 ألف طلب.
هذا الارتفاع المحدود لم يغيّر الصورة العامة، إذ لا تزال الطلبات قرب أدنى مستوياتها التاريخية. ما يشير إلى محدودية عمليات التسريح واستمرار الطلب القوي على العمالة.
والأهم من ذلك، تراجع المتوسط المتحرك لأربعة أسابيع إلى 201,500 طلب، وهو أدنى مستوى له منذ يناير 2024. ما يعكس اتجاهًا هبوطيًا مستقرًا في طلبات إعانة البطالة ويقلل من التقلبات الأسبوعية.
وقد تفاعلت الأسواق مع هذه البيانات عبر تعزيز السرد السائد حول مرونة الاقتصاد الأمريكي. حيث فسر المستثمرون الأرقام على أنها دليل على قدرة الاقتصاد على استيعاب أسعار الفائدة المرتفعة دون تدهور حاد في أوضاع التوظيف.
تراجع طلبات الإعانة المستمرة يعزز ضيق سوق العمل
إلى جانب الطلبات الأولية، أظهرت بيانات طلبات إعانة البطالة الأمريكية المستمرة صورة إضافية لقوة سوق العمل الكامنة. فقد استقر معدل البطالة المؤمن عليه عند 1.2% خلال الأسبوع المنتهي في 10 يناير دون تغيير عن القراءة السابقة.
وفي الوقت ذاته، انخفض عدد المستفيدين من إعانات البطالة المعدلة موسميًا إلى 1.849 مليون شخص، بتراجع قدره 26 ألف شخص مقارنة بالأسبوع السابق.
كما انخفض المتوسط المتحرك لأربعة أسابيع لطلبات الإعانة المستمرة إلى 1.871 مليون، متراجعًا بأكثر من 16 ألف شخص عن الأسبوع السابق. وهو ما يمثل تحسنًا إضافيًا في قدرة سوق العمل على الاحتفاظ بالوظائف.
وتشير هذه الأرقام إلى أنه ليس فقط عدد المسرّحين محدودًا، بل إن من يفقدون وظائفهم يجدون فرص عمل جديدة في فترة زمنية قصيرة نسبيًا.
من منظور الأسواق، غالبًا ما تشير تراجعات طلبات الإعانة المستمرة إلى استمرار الضغوط على الأجور وقوة الإنفاق الاستهلاكي. وهما عاملان يراقبهما الاحتياطي الفيدرالي عن كثب عند موازنته بين مخاطر التضخم والنمو الاقتصادي.
وبالتالي، عزز التقرير التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي يستطيع الإبقاء على نهج حذر تجاه خفض أسعار الفائدة بدلًا من التسرع في تيسير السياسة النقدية.
البيانات غير المعدلة تكشف التأثيرات الموسمية والتباينات الإقليمية
أظهرت البيانات غير المعدلة موسميًا انخفاضًا حادًا في عدد الطلبات الفعلية إلى 259,552 طلبًا. أي بتراجع يزيد على 71 ألف طلب مقارنة بالأسبوع السابق.
ورغم أن جزءًا كبيرًا من هذا الانخفاض يعكس أنماطًا موسمية طبيعية عقب فترة الأعياد، فإن حجم التراجع جاء متوافقًا إلى حد كبير مع التوقعات. ما عزز الانطباع بأن عمليات التسريح لا تزال تحت السيطرة.
على المستوى الإقليمي، سلطت البيانات الضوء على تباينات بين الولايات. وهو ما يوفر للمستثمرين رؤية أوضح لمناطق الضغط المحلي في سوق العمل. فقد سُجلت أكبر الزيادات في الطلبات في ولايات تكساس، كاليفورنيا، ميشيغان، تينيسي، وأوهايو. ما يشير إلى تعديلات قطاعية أو إقليمية محددة.
في المقابل، شهدت ولايات نيويورك، أوريغون، واشنطن، ويسكونسن، وكنتاكي تراجعات ملحوظة في الطلبات، في دلالة على تحسن الأوضاع في تلك المناطق.
ولا تزال أعلى معدلات البطالة المؤمن عليها متركزة في ولايات مثل رود آيلاند، نيوجيرسي، واشنطن، وماساتشوستس. في حين أظهرت أسواق العمل الكبيرة مثل كاليفورنيا ونيويورك إشارات متباينة.
وبالنسبة للأسواق، لا تُعد هذه الفروقات الإقليمية حاسمة بمفردها، لكنها تساعد في تشكيل الإطار العام للاتجاهات الوطنية.
تفاعل الأسواق: إعادة تسعير لتوقعات الفائدة والدولار والأسهم
فسّرت الأسواق المالية التقرير على أنه داعم لسوق العمل، لكنه ليس تضخميًا بالقدر الذي يفرض تشديدًا نقديًا فوريًا.
وأظهرت عوائد سندات الخزانة الأمريكية تحركات محدودة، في إشارة إلى توازن بين مرونة الاقتصاد وغياب مفاجآت صعودية في بيانات البطالة.
أما الدولار الأمريكي فحافظ على استقراره، مدعومًا بالرأي القائل إن قوة سوق العمل تقلل من الحاجة الملحة لخفض أسعار الفائدة بشكل سريع.
في المقابل، تلقت الأسهم الأمريكية دعمًا معتدلًا. حيث رأى المستثمرون في البيانات عاملًا إيجابيًا لاستقرار أرباح الشركات، لا سيما في القطاعات الاستهلاكية والدورية.
فقوة سوق العمل تعني استمرار القدرة الشرائية للأسر. وهو ما يُعد ركيزة أساسية لنمو الإيرادات المؤسسية.
وبالنسبة للمتداولين، عزز التقرير فكرة أن متانة سوق العمل لا تزال تشكل صمام أمان يمنع السيناريوهات الاقتصادية السلبية الحادة، حتى في ظل تذبذب بيانات أخرى مثل التضخم والنمو العالمي.
انعكاسات البيانات على سياسة الاحتياطي الفيدرالي والتوقعات المستقبلية
ربما تكمن الأهمية الأكبر لتقرير طلبات إعانة البطالة اليوم في تداعياته على السياسة النقدية.
فمع بقاء الطلبات الأولية والمستمرة قرب أدنى مستوياتها خلال عدة سنوات، تعزز البيانات الحجة القائلة إن سوق العمل لا يزال شديد الضيق بما لا يبرر تيسيرًا نقديًا سريعًا.
وقد شدد مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي مرارًا على أن استمرار قوة سوق العمل قد يُبقي ضغوط التضخم قائمة. حتى مع تراجع المؤشرات السعرية الرئيسية.
وبناءً على ذلك، من المرجح أن تفسر الأسواق هذا التقرير على أنه داعم لبيئة أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول، على الأقل في الأجل القريب.
وأي تحول في السياسة النقدية سيعتمد على ظهور إشارات أوضح على تباطؤ سوق العمل. وهو ما لا تعكسه بيانات اليوم حتى الآن.
الخلاصة
قدّمت أحدث بيانات طلبات إعانة البطالة رسالة واضحة: سوق العمل الأمريكي لا يزال يتمتع بمرونة لافتة.
ورغم الارتفاع الطفيف في الطلبات الأولية، فإن الاتجاهات الأوسع، بما في ذلك تراجع المتوسطات المتحركة وانخفاض الطلبات المستمرة. تشير إلى استمرار ضيق سوق العمل.
وبالنسبة للأسواق المالية، يعزز ذلك توقعات نمو اقتصادي مستقر، وسياسة نقدية حذرة، واستمرار حساسية الأسواق لبيانات التوظيف بوصفها محركًا رئيسيًا لأسعار الفائدة والعملات وتقييمات الأسهم خلال الأسابيع المقبلة.