واصل الدولار الأمريكي إظهار علامات ضعف مستمر خلال تعاملات اليوم، حيث أشارت أسواق العملات الرئيسية إلى تراجع تقييمات العملة الخضراء في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتغير توقعات الأسواق بشأن السياسة النقدية. ويترقب المتداولون والمستثمرون تحركات الدولار عن كثب. وسط ارتفاع الطلب على الملاذات الآمنة، وتسجيل المعادن الثمينة مستويات قياسية، واستمرار حالة عدم اليقين حول الخطوات المستقبلية للاحتياطي الفيدرالي.
تشير بيانات متتبعي أسواق العملات إلى أن مؤشر الدولار الأمريكي (DXY)، الذي يقيس أداء الدولار مقابل سلة من العملات العالمية الرئيسية، ارتفع بشكل طفيف إلى نطاق منتصف 96 نقطة في 28 يناير بعد تراجعات سابقة. لكنه لا يزال أقل بكثير من مستوياته خلال الأشهر الماضية، وأدنى بشكل واضح من قممه طويلة الأجل. وعلى أساس سنوي، فقد الدولار أكثر من 10% من قيمته، في انعكاس لاتجاه هبوطي واسع مدفوع بحالة عدم اليقين الجيوسياسي وتسعير الأسواق لتحولات محتملة في السياسة النقدية.
ودفع ضعف الدولار المستثمرين إلى تحويل رؤوس الأموال نحو أصول الملاذ الآمن مثل الذهب والفضة. والتي سجلت مستويات قياسية هذا الأسبوع. فقد ارتفعت المعادن الثمينة بقوة بالتزامن مع تراجع العملة الأمريكية. حيث تجاوز الذهب مستوى 5,500 دولار للأونصة، فيما صعدت الفضة إلى 120 دولارًا للأونصة، وهي تحركات تعكس ليس فقط تصاعد المخاطر الجيوسياسية، بل أيضًا انخفاض قيمة الدولار.
الضغوط الجيوسياسية ومعنويات المخاطرة العالمية
يُعد تصاعد التوترات الجيوسياسية، لا سيما في الشرق الأوسط، من أبرز العوامل التي ساهمت في ضعف الدولار الأمريكي مؤخرًا. فقد تفاعلت أسواق النفط بقوة مع الأنباء حول تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران. حيث ارتفع خام برنت فوق 70 دولارًا للبرميل خلال تعاملات اليوم، وهو أعلى مستوى له منذ سبتمبر، مع تسعير الأسواق لاحتمالات اضطراب الإمدادات وتزايد التداولات ذات الطابع التحوطي.
كما عزز ضعف الدولار جاذبية النفط والسلع الأخرى للمستثمرين من حاملي العملات الأجنبية. ويعكس صعود الذهب بشكل خاص تحولًا في شهية المخاطرة لدى المستثمرين العالميين. إذ غالبًا ما يتجه المتداولون إلى الأصول التي تُعد مخزنًا للقيمة عندما تتراجع الثقة في الدولار الأمريكي.
وتؤكد القفزة القوية في أسعار المعادن الثمينة العلاقة العكسية التقليدية بين قوة الدولار وأسعار السلع. وهي علاقة أصبحت أكثر وضوحًا في ظل عدم الاستقرار السياسي والضبابية المتعلقة بمسار السياسة النقدية.
ديناميكيات السوق: تحركات العملات وتوقعات السياسة النقدية
رغم الارتفاع الطفيف للدولار في 28 يناير، فإن الاتجاه العام لا يزال يميل نحو الضعف. ويعود جزء من هذه الديناميكيات إلى توقعات السياسة النقدية الأمريكية. حيث قامت الأسواق بتسعير قرار الاحتياطي الفيدرالي بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، وتناقش الآن توقيت استئناف خفض الفائدة، إن حدث، خلال عام 2026.
إن المسار البطيء نحو التيسير النقدي أو الإبقاء على الفائدة مرتفعة لفترة أطول يقلل من الميزة العائدية للدولار. ما يجعله أقل جاذبية مقارنة بعملات أخرى ذات عوائد أعلى أو استقرار نسبي أكبر.
كما يلاحظ متداولو العملات أن التراجع الممتد للدولار ساهم في تحركات واسعة داخل سوق الفوركس. حيث ارتفعت عملات رئيسية مثل اليورو والفرنك السويسري إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مقابل الدولار، مع بحث رؤوس الأموال العالمية عن الاستقرار النسبي. وتحمل هذه التحركات تداعيات على أزواج العملات، والتجارة الدولية، وتوزيع المحافظ الاستثمارية عالميًا.
المؤشرات الفنية والسوقية تشير إلى تماسك ضمن اتجاه هابط
من الناحية الفنية، يعكس الارتفاع المحدود لمؤشر الدولار إلى نطاق منتصف 96 نقطة مرحلة تماسك قصيرة الأجل ضمن اتجاه هابط أوسع، وليس بداية انعكاس صاعد مستدام. ولا يزال الدولار معرضًا لمزيد من الضغوط الهبوطية ما لم تظهر إشارات واضحة على تباين سياسي أو تحسن قوي في البيانات الاقتصادية الأمريكية مقارنة بنظرائها العالميين.
ويرى محللون أن هناك عدة عوامل هيكلية قد تستمر في الضغط على الدولار خلال عام 2026، من بينها:
- تضييق فروق أسعار الفائدة مع تعديل البنوك المركزية العالمية لسياساتها
- استمرار الطلب على السلع التي تستفيد من ضعف الدولار
- تدفقات الملاذ الآمن المدفوعة بالتوترات الجيوسياسية المستمرة
ما الذي يترقبه المتداولون خلال الفترة المقبلة؟
مع تعقّد المشهد في أسواق الفوركس، يراقب المتداولون عدة محفزات رئيسية قد تحدد الاتجاه القادم للدولار:
إرشادات الاحتياطي الفيدرالي: أي وضوح إضافي بشأن مسار الفائدة والسياسة النقدية
بيانات التضخم وسوق العمل: مؤشرات الاقتصاد الأمريكي المقبلة قد تعيد تسعير توقعات الأسواق
التطورات الجيوسياسية: أي تصعيد أو تهدئة قد يؤدي إلى إعادة تسعير سريعة للمخاطر عبر أسواق العملات والسلع
في ظل هذه البيئة، يبدو أن مسار الدولار يتشكل بشكل متزايد وفق التوقعات النسبية ومعنويات المخاطرة، أكثر من اعتماده على الأساسيات المطلقة. وتشير المعطيات الحالية إلى استمرار التقلبات، مع احتمال اختبار مستويات أدنى. حيث ستلعب المستويات الفنية الرئيسية دورًا محوريًا في تحديد ما إذا كان الدولار سيشهد ارتدادًا تصحيحيًا أم موجة ضعف جديدة.