أظهرت بيانات مطالبات البطالة الأمريكية الصادرة حديثًا استمرار قوة سوق العمل، ما وفر قدرًا من الطمأنينة للمستثمرين في وقت تقيّم فيه الأسواق آفاق النمو الاقتصادي ومسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. فقد ظلت مطالبات إعانة البطالة الأسبوعية قريبة من أدنى مستوياتها التاريخية، ما يعكس محدودية عمليات التسريح واستمرار الطلب القوي على العمالة، رغم تشديد الأوضاع المالية واستمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي الكلي.
وبحسب وزارة العمل الأمريكية، بلغت مطالبات البطالة الأولية المعدلة موسميًا نحو 209 آلاف طلب للأسبوع المنتهي في 24 يناير، بانخفاض طفيف قدره ألف طلب عن قراءة الأسبوع السابق التي جرى تعديلها بالرفع إلى 210 آلاف. ورغم المراجعة الصعودية الحادة لبيانات الأسبوع الماضي، فإن القراءة الأخيرة تُبقي المطالبات ضمن نطاق يتماشى مع سوق عمل صحي وقوي.
في الوقت ذاته، ارتفع المتوسط المتحرك لأربعة أسابيع بشكل طفيف إلى 206,250 طلبًا. ما يعكس بعض التقلبات الأسبوعية، لكنه لا يزال قريبًا من أدنى مستوياته خلال عدة أشهر.
وتميل الأسواق إلى التركيز على هذا المتوسط السلس باعتباره مؤشرًا أدق على الاتجاهات الأساسية. ويشير مستواه المنخفض نسبيًا إلى أن أرباب العمل في الولايات المتحدة ما زالوا يحتفظون بالعمالة إلى حد كبير.
تراجع المطالبات المستمرة إلى أدنى مستوياتها منذ عدة أشهر
جاءت إشارات أكثر إيجابية من بيانات مطالبات البطالة المستمرة، التي تقيس عدد الأشخاص الذين ما زالوا يتلقون إعانات. فقد انخفض عدد العاطلين المؤمن عليهم المعدل موسميًا إلى 1.827 مليون شخص للأسبوع المنتهي في 17 يناير، بتراجع قدره 38 ألفًا عن الأسبوع السابق، مسجلًا أدنى مستوى له منذ سبتمبر 2024.
كما استقر معدل البطالة المؤمن عليها عند 1.2%. ما يعزز الرأي القائل إن العمال الذين يفقدون وظائفهم يجدون فرص عمل جديدة بوتيرة سريعة نسبيًا.
وانخفض المتوسط المتحرك لأربعة أسابيع للمطالبات المستمرة إلى 1.868 مليون. ما يؤكد تحسن الاحتفاظ بالعمالة. وبالنسبة لصانعي السياسات والمشاركين في الأسواق، فإن تراجع المطالبات المستمرة غالبًا ما يشير إلى ضغوط أجور مستمرة وقوة في الإنفاق الاستهلاكي. وهما عاملان رئيسيان في تقييم الاحتياطي الفيدرالي للتضخم والنمو الاقتصادي.
البيانات غير المعدلة تعكس عودة الأوضاع الموسمية إلى طبيعتها
على أساس غير معدل موسميًا، تراجعت المطالبات الأولية الفعلية ضمن برامج الولايات بشكل حاد إلى 231,181 طلبًا، بانخفاض يزيد عن 41 ألف طلب مقارنة بالأسبوع السابق. وجاء هذا التراجع متماشيًا إلى حد كبير مع التوقعات الموسمية بعد انتهاء فترة الأعياد. ما يشير إلى أن الارتفاعات الأخيرة كانت مؤقتة وليست هيكلية.
كما تحسنت بيانات البطالة المؤمن عليها غير المعدلة. حيث تراجع المعدل إلى 1.4%، وانخفض عدد العاطلين المؤمن عليهم بأكثر من 82 ألف شخص.
وتراجع إجمالي عدد أسابيع الإعانة المستمرة المطالب بها عبر جميع البرامج إلى 2.27 مليون أسبوع. ما يسلط الضوء على انخفاض واسع النطاق في الاعتماد على إعانات البطالة.
فروقات إقليمية مستمرة رغم الصورة العامة الإيجابية
رغم القوة العامة، كشفت البيانات عن تباينات إقليمية واضحة. فقد سُجلت أعلى معدلات البطالة المؤمن عليها في ولايات رود آيلاند، ونيوجيرسي، وماساتشوستس، وواشنطن، ومينيسوتا، في حين بقيت ولايات كبرى مثل كاليفورنيا، وإلينوي، ونيويورك فوق المتوسط الوطني.
وأظهرت التغيرات الأسبوعية في المطالبات الأولية ارتفاعًا في ولايتي كاليفورنيا وكنتاكي، في مقابل انخفاضات حادة في نيويورك، وجورجيا، وبنسلفانيا، وأوهايو، وتكساس. ما يشير إلى تعديلات محلية في سوق العمل بدلًا من ضغوط واسعة النطاق على المستوى الوطني.
كما انخفضت المطالبات المقدمة من الموظفين المدنيين الفيدراليين السابقين والمحاربين القدامى المسرحين حديثًا على أساس أسبوعي. ما يدعم الصورة العامة لاحتواء ضغوط سوق العمل.
تأثير البيانات على الأسواق وتداعيات السياسة النقدية
بالنسبة للأسواق المالية، عزز تقرير مطالبات البطالة الصادر اليوم سردية متانة الاقتصاد الأمريكي. ما حدّ من توقعات خفض أسعار الفائدة بشكل عدواني من قبل الاحتياطي الفيدرالي في الأجل القريب.
فاستقرار مطالبات البطالة يدعم الرأي القائل إن الاقتصاد قادر على تحمل مستويات الفائدة المرتفعة. وهو عامل يميل عادة إلى دعم الدولار الأمريكي وعوائد سندات الخزانة، مع تأثيرات متباينة على الأسهم والمعادن الثمينة.
ومن المرجح أن يفسر المستثمرون هذه البيانات على أنها داعمة لنهج الفيدرالي الحالي القائم على الانتظار والترقب، إذ لا تزال ظروف سوق العمل قوية بدرجة لا تبرر تسهيلًا نقديًا سريعًا. ويتحول التركيز الآن إلى بيانات التضخم والتوظيف القادمة للحصول على إشارات أوضح حول قدرة سوق العمل على الحفاظ على قوته خلال فصل الربيع.
الخلاصة
وجهت أحدث بيانات مطالبات البطالة الأمريكية رسالة واضحة: سوق العمل لا يزال قويًا ومتينًا.
فرغم استمرار بعض التقلبات الأسبوعية الطفيفة، تبقى المطالبات قريبة من أدنى مستوياتها التاريخية، وتتراجع المطالبات المستمرة. بينما تظل عمليات التسريح محدودة في معظم القطاعات.
وبالنسبة للأسواق، يعزز ذلك توقعات نمو مستقر، وسياسة نقدية حذرة، وحساسية مستمرة لبيانات سوق العمل باعتبارها محركًا رئيسيًا لأسعار الفائدة والعملات ومعنويات الأسهم خلال الأسابيع المقبلة.