ارتفاع أسعار المنتجين (PPI) في الولايات المتحدة خلال ديسمبر يثير مخاوف التضخم

ارتفاع أسعار المنتجين (PPI) في الولايات المتحدة خلال ديسمبر يثير مخاوف التضخم

تسارعت وتيرة التضخم على مستوى الجملة في الولايات المتحدة مع نهاية عام 2025، ما يسلط الضوء على استمرار الضغوط السعرية داخل سلاسل التوريد ويعزز مخاوف الأسواق من أن التضخم قد يكون أكثر عنادًا مما كان متوقعًا سابقًا. ووفقًا للبيانات الصادرة اليوم عن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي (BLS)، ارتفع مؤشر أسعار المنتجين (PPI) للطلب النهائي بنسبة 0.5% في ديسمبر. مسجلًا تسارعًا ملحوظًا مقارنة بارتفاع 0.2% في نوفمبر و0.1% في أكتوبر.

وعلى أساس سنوي، ارتفعت أسعار المنتجين بنسبة 3.0% خلال عام 2025، بعد زيادة بلغت 3.5% في عام 2024.

وجاء ارتفاع ديسمبر مدفوعًا بالكامل تقريبًا بقطاع الخدمات، ما يبرز استمرار الضغوط التضخمية خارج نطاق السلع. فقد قفزت أسعار خدمات الطلب النهائي بنسبة 0.7%، مسجلة أكبر زيادة شهرية منذ يوليو. في حين لم تسجل أسعار سلع الطلب النهائي أي تغيير يُذكر. وتشير هذه البيانات إلى أن الضغوط التضخمية باتت تتركز بشكل متزايد في هوامش الخدمات بدلًا من السلع المادية. وهو اتجاه يراقبه صناع السياسات والمستثمرون عن كثب.

وباستثناء المكونات المتقلبة، ارتفع مؤشر أسعار المنتجين (PPI)  الأساسي (باستثناء الغذاء والطاقة وخدمات التجارة) بنسبة 0.4% في ديسمبر، مسجلًا الشهر الثامن على التوالي من الارتفاعات. وعلى مدار العام، ارتفعت أسعار المنتجين الأساسية بنسبة 3.5%. ما يشير إلى أن الزخم التضخمي الكامن لا يزال قويًا، رغم بعض الإشارات السابقة على تباطؤ التضخم الاستهلاكي العام.

هوامش التجارة والنقل تقود تضخم الخدمات

يُظهر التحليل التفصيلي للتقرير أن جزءًا كبيرًا من تضخم الخدمات في ديسمبر جاء نتيجة ارتفاع هوامش التجارة، خاصة لدى تجار الجملة وتجار التجزئة. فقد قفزت هوامش خدمات التجارة للطلب النهائي بنسبة 1.7%. لتشكل ما يقرب من ثلثي الزيادة الإجمالية في أسعار خدمات الطلب النهائي.

وتقيس هذه المؤشرات التغيرات في الهوامش التي يحصل عليها تجار الجملة والتجزئة، وليس الأسعار المدفوعة مباشرة من قبل المستهلكين، وغالبًا ما تُعد مؤشرًا مبكرًا لاحتمال انتقال التكاليف إلى المستهلك النهائي.

وعلى مستوى القطاعات، ارتفعت هوامش تجارة الآلات والمعدات بنسبة 4.5%، مسهمة بأكثر من 40% من الزيادة الشهرية في أسعار خدمات الطلب النهائي. كما سجلت قطاعات أخرى زيادات ملحوظة، من بينها:

  • إيجارات غرف الفنادق
  • تجارة التجزئة للأغذية والمشروبات الكحولية
  • تجارة التجزئة لمنتجات الصحة والجمال
  • خدمات إدارة المحافظ الاستثمارية
  • خدمات نقل الركاب الجوية

ويعكس ذلك قوة تسعيرية واسعة النطاق عبر قطاعات استهلاكية ومالية مختلفة.

في المقابل، لم تتحرك جميع أسعار الخدمات صعودًا؛ فقد انخفضت أسعار خدمات الاتصالات السلكية المجمعة بنسبة 4.4%. كما تراجعت أسعار تجارة الوقود وزيوت السيارات وخدمات النقل البري لمسافات طويلة. ما وفر بعض التخفيف المحدود للاتجاه التضخمي العام.

ويُعد هذا التمهيد القائم على بيانات BLS الرسمية أساسًا واضحًا لفهم أسباب ارتفاع الأسعار، ويمهد لتحليل تفاعل الأسواق وتداعيات التقرير على سياسة الاحتياطي الفيدرالي.

تفاعل الأسواق: الأسهم، العوائد، وتوقعات السياسة النقدية

شهدت وول ستريت تقلبات متزايدة عقب صدور قراءة مؤشر أسعار المنتجين الأعلى من المتوقع، مع تحركات ملحوظة عبر فئات الأصول المختلفة. وقبل افتتاح التداولات، كانت العقود الآجلة المرتبطة بمؤشرات داو جونز الصناعي وS&P 500 وناسداك 100 تتداول جميعها على انخفاض، في ظل استيعاب المستثمرين لبيانات التضخم إلى جانب أنباء ترشيح الرئيس ترامب لرئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي، ما أضاف مزيدًا من الغموض للأسواق.

كما تفاعلت أسواق السندات، حيث ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات نحو 4.25%، ما يعكس توقعات بأن استمرار الإشارات التضخمية قد يؤخر أي خفض محتمل لأسعار الفائدة. وغالبًا ما تؤدي العوائد المرتفعة إلى زيادة تكاليف الاقتراض وتقليص شهية المخاطرة لدى المستثمرين.

وفي الوقت نفسه، شهدت أسواق السلع أداءً متباينًا. حيث تراجعت أسعار النفط بشكل طفيف مع موازنة الأسواق بين بيانات التضخم والظروف الاقتصادية الأوسع.

أما في أسواق الأسهم، فقد وازن المستثمرون بين بيانات التضخم وموسم الأرباح الجاري والتغيرات القيادية في المؤسسات النقدية. ما أدى إلى تمركز حذر قبل بدء الجلسة. وعلى سبيل المثال، أفادت تقارير بارتفاع سهم تسلا في تداولات ما قبل الافتتاح بدعم من تكهنات حول صفقات اندماج محتملة. رغم الضغوط العامة على السوق.

التأثير على أسعار المستهلك والسياسة النقدية

رغم أن تضخم أسعار المنتجين يسبق إنفاق الأسر بخطوة، فإنه يظل مؤشرًا مهمًا للاحتياطي الفيدرالي عند تقييم اتجاهات التضخم الأساسية واتخاذ قرارات السياسة النقدية. وقد يؤدي استمرار قوة مؤشر أسعار المنتجين. خاصة في قطاع الخدمات، إلى تعقيد مهمة الفيدرالي في إعادة التضخم بشكل مستدام نحو هدفه البالغ 2%.

ويراقب صناع السياسات أسعار المنتجين إلى جانب مؤشرات أخرى مثل مؤشر أسعار المستهلك (CPI) ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) للحصول على صورة شاملة للضغوط التضخمية.

يُذكر أن تقرير ديسمبر تأخر صدوره بسبب الإغلاق الحكومي الممتد العام الماضي، إلا أن نشره الآن يوفر رؤية مهمة لديناميكيات التضخم مع بداية عام 2026. ومع صدور إشارات تضخمية متباينة، بعضها يتراجع والبعض الآخر لا يزال قويًا، تواصل الأسواق وصناع القرار تحليل البيانات بحثًا عن دلائل حول توقيت وحجم أي تحركات مستقبلية في أسعار الفائدة.

لماذا تُعد أسعار المنتجين مهمة للاقتصاد الكلي؟

يُعتبر مؤشر أسعار المنتجين من المؤشرات الاستباقية للتضخم. لأنه يعكس التغيرات السعرية في المراحل المبكرة من عملية الإنتاج، قبل أن تظهر على مستوى المستهلك. وعندما تُظهر اتجاهات PPI زيادات مستمرة، فقد يشير ذلك إلى ضغوط تصاعدية محتملة على أسعار المستهلكين لاحقًا. خاصة إذا قامت الشركات بتمرير التكاليف المرتفعة إلى العملاء.

وقد يشير استمرار التضخم الأساسي لدى المنتجين إلى أن الضغوط السعرية أصبحت متجذرة. وهو ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تبني نهج أكثر حذرًا تجاه خفض أسعار الفائدة. وعلى الجانب الآخر، فإن تراجع أسعار المنتجين في الأشهر المقبلة قد يوفر متنفسًا للأسواق ويدعم توقعات التيسير النقدي لاحقًا.

النظرة المستقبلية: ما الذي سيراقبه المحللون؟

عقب هذا التقرير، ستترقب الأسواق صدور بيانات اقتصادية أخرى، من بينها:

  • بيانات أسعار المستهلكين
  • إحصاءات سوق العمل
  • تصريحات وتوجيهات الاحتياطي الفيدرالي

وستوفر قراءات التضخم لشهر فبراير والمسوح الاقتصادية المبكرة مزيدًا من السياق. وقد تؤثر على توقعات السياسة النقدية في وقت لاحق من عام 2026. كما سيراقب المحللون اتجاهات أسعار المنتجين للسلع الوسيطة والمواد الخام لمعرفة ما إذا كانت الضغوط التضخمية شاملة أم مركزة في قطاعات محددة.