أبقى البنك المركزي الأوروبي (ECB) على سعر الفائدة دون تغيير خلال اجتماع السياسة النقدية لشهر فبراير، مؤكدًا تبنيه نهجًا حذرًا قائمًا على البيانات، في ظل محاولته تحقيق توازن دقيق بين تباطؤ التضخم واستمرار حالة عدم اليقين العالمي. وبموجب القرار، استقر سعر إعادة التمويل الرئيسي عند 2.15%، وسعر تسهيلات الإيداع عند 2.00%، وسعر تسهيلات الإقراض الهامشي عند 2.40%، وذلك بما يتماشى تمامًا مع توقعات الأسواق.
وفي بيانه الرسمي، جدّد مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي ثقته في أن التضخم يسير على المسار الصحيح للاستقرار قرب هدف 2% على المدى المتوسط، مدعومًا بتراجع ضغوط الأسعار وتأثير التخفيضات السابقة في أسعار الفائدة التي لم تظهر آثارها الكاملة بعد. وفي المقابل، أقرّ صانعو السياسة بأن التوقعات الاقتصادية لا تزال محاطة بحالة من الغموض، نتيجة عدم اليقين في السياسات التجارية العالمية واستمرار التوترات الجيوسياسية. ما دفع البنك إلى تفضيل التوقف المؤقت بدلًا من الإشارة إلى خطوة تالية واضحة.
وأكد البنك المركزي الأوروبي أن اقتصاد منطقة اليورو لا يزال يُظهر قدرًا من الصمود رغم البيئة العالمية الصعبة. وأشار إلى انخفاض معدلات البطالة، وقوة ميزانيات القطاع الخاص، والبدء التدريجي في تنفيذ برامج الإنفاق العام على الدفاع والبنية التحتية باعتبارها ركائز أساسية تدعم النشاط الاقتصادي. كما لفت المسؤولون إلى أن التخفيضات السابقة في سعر الفائدة لا تزال توفر دعمًا كافيًا. ما يعني أن السياسة النقدية ما زالت تيسيرية بالقدر الذي يحفّز النمو دون إعادة إشعال التضخم.
الموقف النقدي: اعتماد كامل على البيانات دون مسار فائدة مُحدد مسبقًا
وشدد مجلس المحافظين على أنه لا يلتزم مسبقًا بمسار محدد لأسعار الفائدة. مؤكدًا أن القرارات المستقبلية ستُتخذ اجتماعًا بعد اجتماع بناءً على البيانات الواردة. وستعتمد أي تحركات مقبلة على تطورات التضخم، وضغوط الأسعار الأساسية، ومدى فاعلية انتقال السياسة النقدية عبر دول منطقة اليورو.
تعكس هذه اللغة الحذرة رغبة البنك في الحفاظ على المرونة، في ظل موازنة إشارات متباينة: تراجع التضخم من جهة، وهشاشة الطلب العالمي من جهة أخرى. ورغم انحسار الضغوط التضخمية، يظل البنك المركزي الأوروبي متيقظًا للمخاطر الصعودية المحتملة. خاصة تلك الناجمة عن اضطرابات التجارة أو الصدمات الجيوسياسية.
وعلى صعيد الميزانية العمومية، أكد البنك أن محافظ برنامج شراء الأصول (APP) وبرنامج الشراء الطارئ لمواجهة الجائحة (PEPP) ستواصل الانكماش بوتيرة تدريجية ويمكن التنبؤ بها، مع عدم إعادة استثمار المدفوعات الرئيسية للسندات المستحقة. ويعكس هذا التشديد الكمي المستمر التزام البنك بتطبيع السياسة النقدية بشكل تدريجي دون إرباك الأوضاع المالية.
كما جدد البنك المركزي الأوروبي تأكيده استعداده لاستخدام جميع الأدوات المتاحة ضمن ولايته. بما في ذلك أداة حماية انتقال السياسة النقدية (TPI). في حال ظهور تحركات غير مبررة أو فوضوية في الأسواق قد تعرقل انتقال السياسة النقدية بسلاسة بين دول منطقة اليورو.
تفاعل اليورو: حركة محدودة بانتظار إشارات أوضح
عقب القرار مباشرة، سجل اليورو تحركات محدودة، في إشارة إلى أن قرار تثبيت سعر الفائدة كان متوقعًا على نطاق واسع. وكانت أسواق العملات قد استوعبت مسبقًا سيناريو الإبقاء على السياسة دون تغيير. ما جعل تركيز المتداولين ينصبّ على نبرة بيان البنك أكثر من القرار نفسه.
وقدّم غياب الإشارة الواضحة إلى خفض وشيك للفائدة دعمًا محدودًا للعملة الأوروبية. إذ أوحى بأن البنك المركزي الأوروبي لا يتعجل التيسير النقدي. في المقابل، حدّ غياب التوجيه المستقبلي من زخم الصعود. مع ترقب المستثمرين لمزيد من الوضوح خلال المؤتمر الصحفي لرئيسة البنك كريستين لاغارد لاحقًا.
وفي ظل تباين توقعات السياسة النقدية عالميًا، يراقب متداولو اليورو عن كثب ما إذا كان هذا الموقف الحذر سيُبقي العملة الموحدة ضمن نطاق تداول ضيق، أم يجعلها أكثر حساسية لتحولات سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وتغيرات شهية المخاطرة العالمية.
تداعيات السوق والتوقعات المستقبلية
بالنسبة للأسواق الأوسع، يعزز قرار اليوم بيئة الترقب والانتظار. فقد ظلت أسواق السندات مستقرة نسبيًا. بينما فسّر مستثمرو الأسهم رسالة البنك المركزي الأوروبي على أنها داعمة لقطاعات النمو. نظرًا لأن السياسة لا تزال تيسيرية دون إضافة ضغوط تشديد جديدة.
وخلال الفترة المقبلة، سيتجه التركيز نحو بيانات التضخم القادمة، وتطورات الأجور، ومؤشرات النمو، لتقييم مدى صحة ثقة البنك المركزي الأوروبي في عودة التضخم إلى هدفه البالغ 2%. وأي مفاجآت تضخمية جديدة أو تصعيد في المخاطر الجيوسياسية قد يغيّر ملامح السياسة النقدية بسرعة.
في الوقت الراهن، اختار البنك المركزي الأوروبي الصبر بدل الدقة المفرطة، مرسلًا إشارة استقرار مع الإبقاء على جميع الخيارات مفتوحة. ومن المرجح أن تبقى الأسواق شديدة الحساسية للبيانات والتصريحات. مع تحرك اليورو والأصول الأوروبية وفقًا للتوقعات أكثر من التحركات الفعلية للسياسة النقدية خلال الأسابيع المقبلة.