يواصل الدولار الأمريكي التداول بزخم متباين، في وقت تتعامل فيه أسواق العملات مع تطورات التوقعات الاقتصادية الكلية وردود الفعل على قرارات البنوك المركزية الأخيرة. ووفقًا لأحدث البيانات، يستقر مؤشر الدولار الأمريكي (DXY) قرب مستوى 97.60، مسجلًا تحسنًا طفيفًا مقارنة بالجلسة السابقة.
ورغم هذا الارتفاع المحدود، لا يزال الدولار الأمريكي ضعيفًا على الأساسين الشهري والسنوي، ما يعكس استمرار الضغوط البيعية عبر معظم أزواج العملات الرئيسية.
خلال الشهر الماضي، تراجع الدولار بنحو 0.86%، بينما انخفض بحوالي 9.45% على أساس سنوي، وهو ما يؤكد استمرار تآكل قيمته النسبية مقابل سلة من العملات العالمية الرئيسية.
ما الذي يحرّك الدولار حاليًا؟
1. تباين سياسات البنوك المركزية
تراقب الأسواق عن كثب توجهات السياسة النقدية بعد القرارات الأخيرة لكل من الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والبنك المركزي الأوروبي، وبنك إنجلترا. ورغم أن معظم البنوك المركزية أبقت أسعار الفائدة دون تغيير، إلا أن نبرة التوجيه المستقبلي تختلف:
الاحتياطي الفيدرالي: قرار التثبيت ترك المتداولين في حالة ترقّب لاحتمال خفض أسعار الفائدة لاحقًا في عام 2026، وهو ما قد يقلّص فروق العائد ويمارس ضغطًا إضافيًا على الدولار.
البنك المركزي الأوروبي: أبقى هو الآخر على الفائدة دون تغيير في 5 فبراير، لكنه أشار إلى عدم وجود استعجال لخفضها، ما قدّم دعمًا مؤقتًا لليورو أمام الدولار.
هذا التباين في الرسائل النقدية ينعكس مباشرة على تدفقات العملات، حيث يعيد المستثمرون تموضعهم بناءً على العوائد المتوقعة ومستويات المخاطر.
2. العوامل الموسمية والمؤشرات الفنية
يشير محللو الاتجاهات الموسمية إلى أن ضعف الدولار خلال شهر يناير جاء مخالفًا للأنماط التاريخية المعتادة، في حين أن تحركات أوائل فبراير قد تستمر ولكنها تظل شديدة الحساسية لأي تطورات اقتصادية مفاجئة.
وتُظهر أبحاث السوق أن الأداء الموسمي الضعيف المعتاد للدولار في فبراير قد يستمر. خاصة إذا استمرت حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات النقدية في السيطرة على المشهد.
3. شهية المخاطرة ومعنويات الأسواق
تلعب تحركات وول ستريت والأصول عالية المخاطر دورًا مهمًا في توجيه الدولار. ففي الأسابيع الأخيرة، لم تؤدِ التراجعات الحادة في أسواق الأسهم والعملات الرقمية إلى تعزيز الدولار كملاذ آمن. بل دفعته أحيانًا إلى التحرك بشكل عرضي.
على سبيل المثال، الانخفاضات القوية في أسهم التكنولوجيا والبيتكوين أثّرت سلبًا على شهية المخاطرة، ما دفع بعض المتداولين إلى تقليص المراكز ذات الرافعة المالية والتحوّط باستخدام عملات أخرى غير الدولار.
4. تدفقات العملات والاتجاهات العالمية
تُظهر بعض عملات الأسواق الناشئة أداءً مرنًا أمام الدولار. فقد شهدت الروبية الهندية تحسنًا ملحوظًا مؤخرًا، مدعومة بتفاؤل الأسواق بشأن اتفاق تجاري محتمل بين الهند والولايات المتحدة.
في الوقت نفسه، حافظ الجنيه المصري على قدر من الاستقرار النسبي أمام الدولار. مع تسجيل أسعار الصرف الرسمية لدى البنك المركزي تحركات محدودة. وهو ما يعكس بدوره ضعف الزخم العام للدولار في أسواق الصرف العالمية.
ما الذي يراقبه المتداولون في المرحلة المقبلة؟
توجيهات الاحتياطي الفيدرالي
ستظل السياسة النقدية الأمريكية العامل الحاسم لتحركات الدولار خلال الأسابيع القادمة. ومع تسعير الأسواق لاحتمالات خفض الفائدة لاحقًا هذا العام، قد يبقى الدولار تحت الضغط ما لم تظهر بيانات اقتصادية أقوى من المتوقع، مثل بيانات التضخم أو سوق العمل.
البيانات الاقتصادية الأمريكية
البيانات المرتقبة، بما في ذلك تقارير التضخم، وأرقام التوظيف، ومؤشرات ثقة المستهلك، ستكون حاسمة في تحديد اتجاه الدولار. هذه البيانات ستوضح ما إذا كان الاقتصاد لا يزال قويًا بما يكفي لتأجيل خفض الفائدة أو أنه يتجه نحو مزيد من التيسير النقدي.
ديناميكيات سوق العملات العالمية
ستستمر تحركات أزواج العملات الرئيسية، خصوصًا مقابل اليورو والجنيه الإسترليني وعملات الأسواق الناشئة، في التأثير على معنويات الدولار. وتظل أزواج مثل EUR/USD وGBP/USD وUSD/JPY تحت مراقبة دقيقة من قبل متداولي الفوركس بحثًا عن إشارات تغير الاتجاه أو تصاعد التقلبات.
النظرة المستقبلية: ضعف الدولار مع تقلبات قصيرة الأجل
تشير معظم التوقعات لعام 2026 إلى استمرار الاتجاه الضعيف للدولار على المدى المتوسط، إلا أن المسار لن يكون سلسًا، بل قد يشهد ارتدادات مؤقتة مدفوعة بمفاجآت اقتصادية أو تحولات مفاجئة في السياسات النقدية.
حالة عدم اليقين المحيطة بتوقيت وحجم خفض الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي. إلى جانب تفاوت آفاق النمو العالمي، تعني أن الدولار قد يظل متقلبًا قرب مستوياته الحالية قبل أن يحدد اتجاهًا أوضح.
بالنسبة للمتداولين والمستثمرين، يتطلب ذلك متابعة دقيقة ليس فقط لقرارات البنوك المركزية. بل أيضًا لتوقعات السوق، وفروق العوائد، والإشارات الفنية في سوق العملات لتقييم الوجهة المحتملة التالية للدولار.