أظهرت ثقة المستهلكين في الولايات المتحدة بوادر استقرار خلال شهر فبراير، ما قدّم للأسواق إشارة إيجابية حذِرة حول نظرة الأسر للاقتصاد، وذلك رغم استمرار المخاوف الأوسع بشأن النمو والتضخم. ووفقًا للقراءة المبدئية لـ مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن جامعة ميشيغان (UoM)، ارتفع المؤشر الرئيسي بنسبة 1.6% على أساس شهري ليصل إلى 57.3، متجاوزًا توقعات الأسواق ومسجلًا تحسنًا طفيفًا مقارنة بمستويات يناير.
ورغم هذا الارتفاع الشهري، لا تزال الثقة ضعيفة على أساس سنوي، إذ جاء المؤشر أقل بنحو 11.4% مقارنة بالعام الماضي، ما يعكس استمرار تأثير ارتفاع الأسعار وتكاليف الاقتراض وعدم اليقين الاقتصادي على معنويات المستهلكين. وتُظهر البيانات صورة مختلطة: تحسن محدود في الثقة قصيرة الأجل، مقابل تشاؤم أعمق ما زال راسخًا.
تحسّن الأوضاع الحالية مقابل ضعف التوقعات المستقبلية
جاء التحسن في القراءة العامة مدفوعًا بشكل أساسي بارتفاع تقييم المستهلكين للأوضاع الاقتصادية الحالية. إذ قفز مؤشر الأوضاع الاقتصادية الحالية بنسبة 5.2% ليصل إلى 58.3، في إشارة إلى تحسن تصورات الدخل وفرص العمل والاستقرار المالي القريب.
ومع ذلك، لا يزال هذا المؤشر أقل بنحو 11.3% على أساس سنوي. ما يسلط الضوء على الأثر المستمر للتضخم وتباطؤ الزخم الاقتصادي.
في المقابل، تراجع مؤشر توقعات المستهلكين بنسبة 0.7% على أساس شهري إلى 56.6، مسجلًا واحدة من أضعف القراءات في السنوات الأخيرة. وعلى أساس سنوي، هبط المؤشر بنسبة 11.6%، ما يعكس استمرار القلق بشأن فرص العمل والدخل والأوضاع الاقتصادية خلال العام المقبل.
وأشارت جامعة ميشيغان إلى اتساع الفجوة بين شرائح المستهلكين. حيث تحسنت الثقة بشكل أساسي لدى الأسر التي تمتلك استثمارات في أسواق الأسهم. بينما بقيت معنويات المستهلكين غير المنخرطين في الأسواق المالية ضعيفة، وهو ما يبرز التفاوت في التأثر بأداء الأسواق بين الفئات المختلفة.
تراجع توقعات التضخم يمنح الأسواق بعض الارتياح
من أبرز النقاط التي راقبتها الأسواق في التقرير كان انخفاض توقعات التضخم للعام المقبل من 4.0% إلى 3.5%. وهو أدنى مستوى منذ يناير 2025. ويشير هذا التراجع إلى أن المستهلكين بدأوا يتوقعون تهدئة تدريجية في ضغوط الأسعار. وهو عامل يحظى بمتابعة دقيقة من جانب الاحتياطي الفيدرالي.
انخفاض توقعات التضخم قد يساعد في تثبيت الاتجاهات التضخمية على المدى المتوسط. ما قد يخفف الضغوط على صانعي السياسة النقدية للإبقاء على تشديد قوي. ومع ذلك، من المرجح أن يظل الفيدرالي حذرًا. خاصة في ظل بقاء مستويات الثقة العامة منخفضة تاريخيًا وعدم انتظام مسار تراجع التضخم.
تفاعل الأسواق: الدولار مستقر واليورو يحافظ على مكاسبه
جاء رد فعل الأسواق محدودًا عقب صدور البيانات. فقد أظهر الدولار الأمريكي تحركات طفيفة، إذ طغى ضعف التوقعات المستقبلية ومستوى الثقة المنخفض عمومًا على التحسن الشهري في المؤشر الرئيسي. وفسّر المتداولون البيانات على أنها داعمة لمرونة الاقتصاد، لكنها غير كافية لتغيير توقعات السياسة النقدية للفيدرالي في المدى القريب.
في المقابل، حافظ اليورو على استقراره أمام الدولار، مستفيدًا بشكل غير مباشر من تراجع توقعات التضخم الأمريكية وغياب زخم صعودي قوي للعملة الأمريكية. ولا تزال أسواق العملات تركز على الفروق النسبية في النمو والسياسات النقدية بين الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي. مع اعتبار بيانات المستهلك الأمريكي عنصرًا مؤثرًا في توجيه المعنويات قصيرة الأجل.
النظرة المستقبلية: استقرار دون قوة
رغم أن تحسن مؤشر ثقة المستهلك في فبراير يمثل إشارة إيجابية أولية، فإن الصورة العامة لا تزال تميل إلى الحذر. فمستويات الثقة لا تزال منخفضة مقارنة بالمعايير التاريخية، في حين تبقى توقعات العام المقبل ضعيفة.
بالنسبة للأسواق، تدعم هذه البيانات سيناريو تباطؤ اقتصادي مع قدر من الصمود. ما يعزز توقعات استمرار السياسة النقدية المعتمدة على البيانات بدل التحول السريع نحو التيسير. وسيتجه تركيز المتداولين في المرحلة المقبلة إلى بيانات التضخم وسوق العمل لتحديد ما إذا كان هذا الاستقرار في المعنويات يمكن أن يتحول إلى زخم اقتصادي مستدام، أم أن الضغوط المتعلقة بالتكاليف والنمو ستُعيد الثقة إلى مسار التراجع.