لماذا يخسر معظم متداولي الفوركس أموالهم؟ وكيف تتجنب أن تكون واحدًا منهم

لماذا يخسر معظم متداولي الفوركس أموالهم؟ وكيف تتجنب أن تكون واحدًا منهم

يُعد سوق الصرف الأجنبي (الفوركس) أكبر وأكثر الأسواق المالية سيولة في العالم، إذ يتجاوز حجم التداول اليومي فيه 7 تريليونات دولار وفقًا لبنك التسويات الدولية (BIS). سهولة الوصول إليه، وإمكانية استخدام الرافعة المالية، وطبيعة التداول على مدار 24 ساعة، كلها عوامل تجذب ملايين من متداولي الفوركس حول العالم.

لكن رغم هذه الجاذبية، فإن معظم متداولي الفوركس الأفراد يخسرون أموالهم.

الإفصاحات التنظيمية الصادرة عن كبرى شركات الوساطة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوروبا وأستراليا تُظهر باستمرار أن ما بين 70% إلى 85% من حسابات تداول الفوركس وعقود الفروقات تخسر أموالها. وهذه النسبة بقيت مستقرة بشكل لافت لسنوات طويلة.

فلماذا يحدث ذلك؟ والأهم، كيف يمكنك تجنب الانضمام إلى هذه الأغلبية الخاسرة؟

في هذا المقال، نستعرض الأسباب الرئيسية استنادًا إلى بيانات تنظيمية وأبحاث أكاديمية وتقارير صناعية، مع خطوات عملية لتحسين أدائك.

1. الرافعة المالية المفرطة: القاتل الصامت للحسابات

الرافعة المالية هي أحد أكبر عوامل الجذب في الفوركس، لكنها أيضًا أخطرها.

توفر بعض الشركات رافعة مالية تصل إلى 1:30 في الأسواق المنظمة، بينما تصل لدى وسطاء خارجيين إلى 1:500 أو أكثر. وبينما تضاعف الرافعة الأرباح المحتملة، فإنها تضاعف الخسائر بنفس الدرجة.

تشير أبحاث جهات تنظيمية مثل هيئة الأسواق والأوراق المالية الأوروبية (ESMA) إلى أن الرافعة المالية المرتفعة تُعد من الأسباب الرئيسية وراء خسائر المتداولين الأفراد.

كيف تُدمر الرافعة الحسابات؟

تحركات سعرية صغيرة قد تمحو نسبة كبيرة من رأس المال.

ضغط نفسي مرتفع.

التخلي عن الخطة تحت التوتر.

مثال:

تحرك بنسبة 1% ضد متداول يستخدم رافعة 1:100 قد يعني خسارة 100% من الهامش المستخدم.

ماذا يفعل المحترفون؟

  • لا يخاطرون بأكثر من 1%–2% من رأس المال في الصفقة الواحدة.
  • يستخدمون رافعة فعلية منخفضة.
  • يركزون على البقاء أولًا، ثم تحقيق الأرباح.

2. غياب إدارة المخاطر

تُظهر الدراسات الأكاديمية أن حجم الصفقة وإدارة المخاطر أهم من دقة إشارات الدخول.

كثير من المتداولين الأفراد:

  • يخاطرون بنسبة كبيرة في صفقة واحدة.
  • لا يستخدمون أوامر وقف الخسارة.
  • يضاعفون الحجم بعد الخسارة (تداول انتقامي).

المبدأ الاحترافي بسيط:

إدارة المخاطر تحدد الاستمرارية. والاستراتيجية تحدد الربحية.

حل عملي:

  • حدد نسبة مخاطرة ثابتة لكل صفقة (1% معيار شائع).
  • استخدم وقف الخسارة دائمًا.
  • لا تحاول “استرداد” الخسائر بمضاعفة المخاطرة.

3. الإفراط في التداول وتكاليف التنفيذ

سوق الفوركس يعمل 24 ساعة يوميًا، ما يخلق وهمًا بضرورة التواجد الدائم في السوق.

لكن الإفراط في التداول يؤدي إلى:

  • ارتفاع فروقات الأسعار والعمولات.
  • تراجع جودة الصفقات.
  • إرهاق نفسي.

تُظهر بيانات الوسطاء أن الحسابات ذات معدل التداول المرتفع غالبًا ما تحقق أداءً أضعف بسبب التكاليف والقرارات الاندفاعية.

الانضباط المهني يعني:

  • التداول فقط عند تحقق شروط واضحة.
  • تجنب فترات السيولة الضعيفة.
  • تقييم الأداء شهريًا لا يوميًا.

4. القرارات العاطفية

تُظهر أبحاث التمويل السلوكي (كانيمان وتفيرسكي وغيرهما) أن الإنسان عرضة لانحيازات معرفية مثل:

كره الخسارة

الثقة المفرطة

تحيز الحداثة

تحيز التأكيد

الفوركس يُضخم هذه الانحيازات بسبب:

سرعة تحرك الأسعار

استخدام الرافعة

الضغط المالي

معظم المتداولين لا يفشلون بسبب ضعف التحليل، بل لأنهم يتجاوزون تحليلهم تحت تأثير العاطفة.

أنماط سلوكية خاسرة:

تحريك وقف الخسارة بعيدًا.

إغلاق الأرباح مبكرًا.

الدخول بدافع الملل.

مضاعفة المراكز بعد الخسارة.

العادة الاحترافية:

تحديد الدخول والخروج والمخاطرة مسبقًا.

تدوين كل صفقة.

تقبل الخسائر كجزء من النظام.

5. غياب خطة تداول واضحة

الاعتماد على المؤشرات دون إطار منهجي يؤدي إلى تداول عشوائي.

خطة التداول الاحترافية تشمل:

  • اختيار السوق
  • الإطار الزمني
  • معايير الدخول والخروج
  • نسبة المخاطرة
  • الحد الأقصى للخسارة اليومية
  • قواعد التداول أثناء الأخبار
  • جدول مراجعة الأداء

بدون هيكل واضح، يصبح التداول رد فعل، ورد الفعل غالبًا ما يكون خاسرًا.

6. سوء فهم الاحتمالات

التداول ليس عن أن تكون محقًا دائمًا.

يمكن لمتداول:

أن يربح 40% فقط من صفقاته

ويظل مربحًا

إذا كان متوسط الربح أكبر من متوسط الخسارة.

المعادلة الأهم:

العائد المتوقع = (نسبة الربح × متوسط الربح) – (نسبة الخسارة × متوسط الخسارة)

المحترفون يركزون على “التوقع الإحصائي”، لا على الأنا.

7. تجاهل السياق الاقتصادي الكلي

الفوركس يتأثر بـ:

سياسات البنوك المركزية

فروقات أسعار الفائدة

بيانات التضخم

تقارير الوظائف

التطورات الجيوسياسية

الاعتماد على التحليل الفني فقط يعني التداول في الظلام خلال الأحداث عالية التأثير.

8. توقعات غير واقعية

وسائل التواصل الاجتماعي خلقت أوهامًا مثل:

10% شهريًا أمر طبيعي.

دخل كامل سريع.

حساب صغير يمكن مضاعفته بسرعة دون مخاطرة.

صناديق التحوط الاحترافية تستهدف عادة 10%–20% سنويًا، لا شهريًا.

السعي وراء عوائد غير واقعية يؤدي إلى مخاطرة مفرطة، ثم انهيار الحساب.

9. اختيار وسيط غير مناسب

الوسطاء غير المنظمين:

  • يقدمون رافعة مفرطة.
  • يشجعون التداول المكثف.
  • يفتقرون إلى حماية حقيقية لرأس المال.

المتداول الجاد يختار:

وسيطًا منظمًا.

رسومًا شفافة.

رافعة معقولة.

حماية قانونية.

10. عدم تتبع الأداء

المتداول الخاسر غالبًا:

  • لا يحتفظ بسجل صفقات.
  • ولا يحلل نتائجه.
  • ولا يقيس التراجع (Drawdown).

بدون بيانات، لا يوجد تطور.

المحترفون يتابعون:

نسبة الربح

نسبة المخاطرة للعائد

أقصى تراجع

مدة الصفقة

ظروف السوق

كيف تنتقل إلى فئة المتداولين المستمرين؟

إطار عملي:

  1. حماية رأس المال أولًا

ركز على تجنب الخسائر الكبيرة.

  1. مخاطرة 1% لكل صفقة

مستدامة رياضيًا على المدى الطويل.

  1. إتقان استراتيجية واحدة

قبل التوسع.

  1. تدوين كل صفقة

مع السبب والحالة النفسية والنتيجة.

  1. مراجعة شهرية

تحليل إحصائي لا عاطفي.

  1. تقبل الخسائر كمصاريف تشغيل

التداول نشاط احتمالي.

الحقيقة الصعبة

معظم المتداولين يخسرون لأنهم:

يستخفون بالمخاطر.

يبالغون في تقدير مهاراتهم.

يفتقرون إلى الهيكل والانضباط.

يتداولون بعاطفة.

السوق يكافئ:

الانضباط

الصبر

إدارة المخاطر

القرارات المبنية على البيانات

ويعاقب:

الاندفاع

الثقة المفرطة

الرافعة المبالغ فيها

الفرق بين الخاسر والمربح نادرًا ما يكون الذكاء، بل هو الاستمرارية والانضباط في إدارة المخاطر.

الخلاصة

الفوركس ليس طريقًا سريعًا للثراء، بل نشاط قائم على الاحتمالات.

من يتعامل معه كمصدر سريع للمال يخسر، ومن يتعامل معه كمشروع منظم بإدارة مخاطر صارمة، لديه فرصة للبقاء ثم الازدهار.

إذا كان هدفك الربحية طويلة الأجل، فركز أقل على توقع السوق، وأكثر على التحكم في نفسك.

هذا التحول وحده قد ينقلك من الأغلبية الخاسرة إلى الأقلية المنضبطة.