أظهرت بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (Core PCE) ، المقياس المفضل للاحتياطي الفيدرالي لقياس التضخم، عودة الضغوط السعرية للارتفاع في ديسمبر، وفق التقرير الصادر قبل نحو ساعة عن مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي (BEA). وقد انعكست البيانات فورًا على الأسواق، مع ارتفاع عوائد السندات، وصعود الدولار، وتراجع العقود الآجلة للأسهم، في ظل إعادة تسعير مسار الفائدة خلال 2026.
تسارع في التضخم الأساسي
بحسب تقرير الدخل والإنفاق الشخصي لشهر ديسمبر 2025، ارتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي بنسبة 0.3% على أساس شهري، فيما بلغ الارتفاع السنوي 2.9%، ما يمثل تسارعًا طفيفًا مقارنة بالأشهر السابقة ويُبقي التضخم أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.
كما ارتفع مؤشر PCE الرئيسي، في وقت أظهرت فيه بيانات الإنفاق الاستهلاكي استمرار مرونة الطلب، وهو ما يعزز الضغوط التضخمية الكامنة.
وتؤكد هذه الأرقام الاتجاه الذي يطبع بيانات بداية 2026: التقدم في مسار كبح التضخم أصبح أبطأ وأكثر تذبذبًا.
لماذا يُعد مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي الأهم؟
يحظى مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي أهمية خاصة لأنه المعيار الأساسي الذي يعتمده الاحتياطي الفيدرالي في قرارات السياسة النقدية. وعلى عكس مؤشر أسعار المستهلك (CPI)، يعكس PCE تغيرات أنماط الاستهلاك ويعتمد أوزانًا مختلفة، ما يجعله أكثر دقة من منظور الفيدرالي.
القراءة الحالية تشير إلى أن مسار التباطؤ التضخمي لا يزال غير متوازن، خصوصًا في قطاع الخدمات، حيث تظل الضغوط السعرية أكثر صلابة. ومع استمرار قوة سوق العمل ونمو الأجور، يبدو أن الزخم التضخمي الأساسي أكثر استمرارية مما كان متوقعًا في نهاية 2025.
رد فعل الأسواق: صعود العوائد وتذبذب الأسهم
تفاعلت الأسواق بسرعة مع صدور البيانات:
- عوائد سندات الخزانة الأمريكية ارتفعت، خاصة لأجل عامين وعشرة أعوام، مع تراجع توقعات خفض الفائدة في المدى القريب.
- الدولار الأمريكي سجل مكاسب مقابل العملات الرئيسية، مدعومًا بإعادة تسعير توقعات الفائدة.
- الأسهم الأمريكية أظهرت حذرًا، مع تعرض أسهم التكنولوجيا والنمو لضغوط في بيئة فائدة مرتفعة لفترة أطول.
- الذهب تراجع بشكل طفيف، متأثرًا بارتفاع العوائد وقوة الدولار.
الإنفاق الاستهلاكي لا يزال قويًا
أظهر التقرير أيضًا ارتفاعًا في الدخل الشخصي والإنفاق خلال ديسمبر، ما يعزز صورة الاقتصاد الأمريكي المرن. غير أن استمرار قوة الطلب قد يُبطئ تراجع تضخم الخدمات، ما يُعقّد مهمة الفيدرالي.
ويرى محللون أن الجمع بين إنفاق قوي وتضخم أساسي مرتفع يقلل من احتمالات التحول السريع نحو سياسة نقدية أكثر تيسيرًا.
تداعيات على سياسة الاحتياطي الفيدرالي
تأتي بيانات ديسمبر في توقيت حساس، بعدما خفض الفيدرالي الفائدة في أواخر 2025 ثم تبنى موقفًا أكثر حذرًا يعتمد على البيانات.
القراءة الحالية تعزز موقف الأعضاء الأكثر تشددًا داخل اللجنة، الذين يرون أن خفض الفائدة يجب أن يكون تدريجيًا، إن حدث، إلى أن تتوفر أدلة واضحة على عودة التضخم نحو 2% بشكل مستدام.
وعقب صدور البيانات، انخفضت احتمالات السوق لخفض إضافي للفائدة في 2026، مع تسعير مسار تيسير أبطأ مما كان متوقعًا سابقًا.
الصورة الأكبر: المعركة مع التضخم لم تنتهِ بعد
رغم تراجع التضخم من ذروته التاريخية، فإن البيانات الأخيرة تُظهر أن المرحلة الأخيرة للوصول إلى 2% قد تكون الأصعب.
تضخم الخدمات، مكونات الإسكان، والعوامل المرتبطة بالأجور لا تزال تشكل ضغوطًا مستمرة.
ويرى اقتصاديون أنه في حال بقي التضخم الأساسي قريبًا من 3% لعدة أشهر إضافية، فقد يؤجل الفيدرالي أي تخفيضات جديدة، ما يعني تشديدًا أطول للظروف المالية.
ما الذي يراقبه المتداولون الآن؟
بعد صدور بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي ، تتركز الأنظار على:
- تقارير سوق العمل المقبلة
- بيانات CPI ونمو الأجور
- تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي
- تحركات عوائد السندات ومنحنى العائد
أي إشارات إضافية على ثبات التضخم قد تدفع الأسواق لمزيد من إعادة التسعير.
الخلاصة
بعثت بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي رسالة واضحة: التضخم لا يزال مرتفعًا، والتقدم نحو هدف 2% غير مضمون بعد.
مع ارتفاع شهري قدره 0.3% وتضخم سنوي عند 2.9%، من المرجح أن يحافظ الفيدرالي على نهج حذر في المرحلة المقبلة.
بالنسبة للأسواق، كانت النتيجة فورية: عوائد أعلى، دولار أقوى، وتزايد الجدل حول سرعة خفض الفائدة في 2026.
ويبقى السؤال المطروح أمام المستثمرين: هل يمثل هذا التسارع عثرة مؤقتة في مسار التضخم، أم إشارة إلى أن معركة الأسعار لم تُحسم بعد؟