تترقّب الأسواق العالمية باهتمام شديد قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، المقرر صدوره غدًا في 28 يناير، وهو قرار اعتاد أن يُحدث تحركات قوية عبر الأسهم، والسندات، والدولار، والسلع. وتشير التوقعات على نطاق واسع إلى أن الفيدرالي سيُبقي نطاق سعر الفائدة المستهدف عند 3.50%، 3.75%. مواصلًا سياسة التثبيت بعد سلسلة من التخفيضات التي أُقرت في أواخر عام 2025.
ويعكس تسعير العقود الآجلة المرتبطة بسعر الفائدة هذا السيناريو بوضوح، إذ تُظهر احتمالات الأسواق، رغم تقلبها خلال الجلسات، أن السيناريو الأساسي يتمثل في عدم تغيير الفائدة في هذا الاجتماع، مع تركيز المستثمرين بشكل أكبر على بيان السياسة النقدية ورسائل رئيس الفيدرالي جيروم باول، والتي يُتوقع أن تكون المحرك الحقيقي للأسواق.
التثبيت متوقع… لكن الرسالة ستكون أكثر أهمية
في هذا الاجتماع، لا يتمحور السؤال الرئيسي في الأسواق حول “هل سيتم التثبيت أم الخفض؟” ، بل حول مدى اقتراب الاحتياطي الفيدرالي من استئناف خفض الفائدة، وما الشروط اللازمة لتحقيق ذلك. وتشير التوقعات الصادرة عن مؤسسات إعلامية واقتصادية كبرى إلى أن الفيدرالي يقف في موقف دقيق بين تضخم لا يزال أعلى من المستهدف، وسوق عمل يتباطأ بشكل تدريجي فقط. ما يرفع سقف المتطلبات لأي تيسير نقدي قريب.
لماذا يبدو التثبيت منطقيًا… ولماذا تُعد التخفيضات الإضافية محفوفة بالمخاطر
رغم الإجماع الواسع على أن لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية ستُبقي أسعار الفائدة دون تغيير عند 3.50%، 3.75% في اجتماع يناير. فإن لهذا القرار دلالات أعمق من مجرد “وقفة مؤقتة”. فبعد سلسلة التخفيضات في النصف الثاني من العام الماضي، اعتادت الأسواق على سردية التيسير النقدي المستمر. إلا أن تحليلات السياسة النقدية الحديثة تشير إلى أن المضي قدمًا في خفض الفائدة قد يكون سابقًا لأوانه.
وبحسب أحدث التقييمات المستندة إلى أطر السياسة النقدية التي يراقبها الاقتصاديون والمستثمرون عن كثب، فإن الموقف الحالي للفيدرالي يُعد أكثر تيسيرًا مما توصي به العديد من القواعد النقدية التقليدية. وتشير عدة نماذج معروفة، تأخذ في الحسبان التضخم، وسوق العمل، ومستويات الإنفاق الكلي. إلى أن سعر الفائدة المناسب قد يكون أقرب إلى نطاق 3.85%، 4.25%. ومن هذا المنظور، فإن أي خفض إضافي قد يُخاطر بإفراط في تحفيز الطلب في وقت لم تختفِ فيه الضغوط التضخمية بالكامل.
ويُفسر هذا التباين بين آمال الأسواق في سياسة أكثر تيسيرًا، وبين التوجيهات المستندة إلى القواعد الاقتصادية، سبب حذر صناع السياسة في المرحلة الحالية.
التحول من إدارة المخاطر إلى الانضباط النقدي
سبق أن وصف رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، تخفيضات الفائدة التي أُقرت العام الماضي بأنها قرارات قائمة على إدارة المخاطر. هدفت إلى منع تباطؤ سوق العمل من التحول إلى ركود أعمق. وفي ذلك الوقت، كان هذا التوجه يحظى بدعم واسع في ظل تصاعد المخاوف بشأن التوظيف والنمو.
لكن المشهد الاقتصادي تغيّر منذ ذلك الحين. فرغم تباطؤ وتيرة خلق الوظائف، لا يزال معدل البطالة أعلى بشكل طفيف فقط من مستوياته السابقة، ويبقى قريبًا من المستويات المرتبطة بالتوظيف الكامل. والأهم بالنسبة لصناع القرار أن النمو الاقتصادي فاجأ الأسواق إيجابًا. إذ سجّل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي توسعًا أقوى من المتوقع في الربع الثالث من عام 2025، مدفوعًا بانتعاش إنفاق المستهلكين والشركات.
في المقابل، ظل التضخم عنيدًا فوق هدف الفيدرالي البالغ 2%، مع تقدم غير متوازن نحو استقرار الأسعار. هذا المزيج من نمو قوي نسبيًا، وسوق عمل متماسك، وضغوط تضخمية مستمرة، يُضعف مبررات الاستمرار في تيسير السياسة النقدية بدافع الحيطة فقط.
وبالتالي، فإن المخاطر التي برّرت خفض الفائدة في العام الماضي لم تختفِ. لكنها تراجعت بما يكفي لتبرير ضبط النفس بدلًا من مزيد من التيسير.
ماذا تُشير إليه قواعد السياسة النقدية؟
تُستخدم قواعد السياسة النقدية غالبًا كإطار توجيهي يساعد البنوك المركزية على تجنب ردود الفعل المفرطة تجاه ضوضاء الأسواق قصيرة الأجل أو الضغوط السياسية. ومن أبرز هذه القواعد ما يُعرف بقواعد “تايلور”، التي تربط قرارات الفائدة بانحرافات التضخم والتوظيف عن مستوياتهما المستهدفة.
وبحسب هذه القواعد، تبدو الرسالة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فالتضخم لا يزال أعلى من الهدف. ما يدعم تبني موقف أكثر تقييدًا لتجنب عودة الضغوط السعرية. وفي الوقت ذاته، يواصل سوق العمل العمل بالقرب من مستويات التوظيف الكامل. ما يقلل الحاجة إلى التحفيز. ويُضاف إلى ذلك أن تحسن الإنتاجية وقوة النمو رفعت تقديرات “سعر الفائدة المحايد” للاقتصاد. وهو ما يعني، وفق الأطر القائمة على القواعد، أن سعر الفائدة المناسب ينبغي أن يكون أعلى.
مجتمعة، تشير هذه العوامل إلى أن الإبقاء على الفائدة دون تغيير يُعد بحد ذاته حلًا وسطًا. وأن أي خفض إضافي سيُبعد السياسة النقدية أكثر عن المستويات التي تبررها الأسس الاقتصادية الحالية.
كيف ينعكس ذلك على توقعات الأسواق؟
بالنسبة للأسواق، يعزز هذا الإطار سبب كون قرار الغد أقل ارتباطًا بمستوى الفائدة نفسه، وأكثر ارتباطًا بالإشارة التي يرسلها. فتثبيت قوي مدعوم بلغة تؤكد الانضباط والاعتماد على البيانات قد يُخفف من توقعات خفض الفائدة على المدى القريب. ما سينعكس على عوائد السندات، والدولار، والأسهم، والمعادن النفيسة.
وباختصار، فإن توقف الفيدرالي ليس علامة تردد، بل انعكاس لبيئة سياسية نقدية تتسم بنمو اقتصادي متماسك، وتضخم لا يزال مقلقًا، وهوامش خطأ أضيق من السابق.