أصدرت هيئة الإحصاء الكندية اليوم بيانات مؤشر أسعار المستهلك (CPI) لشهر يناير 2026، والتي أظهرت استمرار تباطؤ التضخم، لكنه لا يزال أعلى من المستويات المتدنية الأخيرة، ما أبقى الأسواق المالية في حالة ترقب لتداعيات ذلك على سياسة بنك كندا والاتجاه الاقتصادي العام.
وبحسب البيانات الرسمية، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك في كندا بنسبة 2.3% على أساس سنوي في يناير 2026، مقارنة بارتفاع نسبته 2.4% في ديسمبر 2025. ويعكس هذا التراجع النسبي تباطؤ الضغوط السعرية في عدد من المكونات، رغم بقاء التضخم أعلى من مستهدف بنك كندا البالغ 2%.
مكونات التضخم: ما الذي حرّك الأرقام؟
كشف تفصيل بيانات يناير عن تطورات مهمة في عدد من الفئات الرئيسية:
- أسعار الغذاء واصلت الارتفاع بقوة، إذ زادت أسعار المواد الغذائية المشتراة من المتاجر بنسبة 4.8% على أساس سنوي، مساهِمة بشكل ملحوظ في دعم التضخم العام.
- تكاليف السكن ارتفعت بنسبة 1.7% سنويًا، مسجلة تباطؤًا نسبيًا في وتيرة تضخم الإسكان مقارنة بالفترات السابقة.
- تكاليف النقل مارست ضغطًا هبوطيًا، حيث تراجعت بنسبة 1.7% على أساس سنوي، مدفوعة بانخفاض أسعار البنزين مقارنة بالعام الماضي.
وعلى أساس شهري، لم يسجل مؤشر أسعار المستهلك تغيرًا يُذكر، بينما ارتفع المؤشر المعدل موسميًا بنسبة 0.1% في يناير. ما يعكس تحركًا محدودًا في الأسعار الاستهلاكية.
كما أشارت البيانات إلى استمرار تأثيرات سنة الأساس المرتبطة بالإعفاء المؤقت من ضريبة GST/HST العام الماضي. وهو ما يؤثر على المقارنات السنوية لبعض السلع والخدمات.
التضخم الأساسي يتباطأ… لكن دون ضعف واضح
عند استبعاد مكونات الغذاء والطاقة الأكثر تقلبًا، ارتفع التضخم الأساسي بنسبة 2.4% على أساس سنوي، في تباطؤ طفيف عن الأشهر السابقة. لكنه لا يزال يعكس ضغوطًا سعرية كامنة.
ويُعد التضخم الأساسي مؤشرًا أكثر دقة لاتجاهات الأسعار المستدامة، إذ يقل تأثره بالتقلبات المؤقتة في أسعار السلع الأولية. ما يجعله محور اهتمام رئيسي لصانعي السياسات والمستثمرين.
رد فعل الأسواق: السندات والأسهم والدولار الكندي
تفاعلت الأسواق المالية سريعًا مع صدور البيانات، حيث فُسّرت الأرقام على أنها تشير إلى تباطؤ تدريجي في التضخم، دون أن تعني قرب التيسير النقدي.
- أسواق السندات: ارتفعت عوائد السندات الحكومية الكندية، خصوصًا في آجال عامين إلى خمسة أعوام. مع إعادة تسعير توقعات خفض الفائدة. استمرار قوة التضخم الأساسي يعني أن بنك كندا قد يتريث قبل خفض معدلات الفائدة.
- الأسهم: أظهر مؤشر TSX الكندي تفاؤلًا محدودًا، مع تصدر أسهم القطاعين المالي والطاقة للمكاسب. وهما قطاعان يستفيدان عادةً من بيئة تضخم مستقرة نسبيًا.
- العملة: ارتفع الدولار الكندي بشكل طفيف أمام العملات الرئيسية، مدعومًا برؤية مفادها أن التضخم المعتدل يدعم موقفًا نقديًا متوازنًا من البنك المركزي.
وأشار محللون إلى أن الرقم الرئيسي لم يكن مفاجئًا بدرجة كبيرة، إلا أن استمرار قوة أسعار الغذاء والتضخم الأساسي يعكس أن التضخم لم يتراجع بالسرعة التي كانت تتوقعها بعض التقديرات.
ماذا يعني ذلك لبنك كندا؟
تضيف بيانات يناير مزيدًا من التعقيد إلى مسار السياسة النقدية. فمع بقاء التضخم أعلى قليلًا من المستوى المستهدف، يواجه بنك كندا معادلة دقيقة بين دعم النمو وضبط الأسعار.
كانت الأسواق قد بدأت في تسعير احتمالات خفض الفائدة هذا العام، في ظل إشارات على تباطؤ اقتصادي نسبي. إلا أن استمرار متانة التضخم الأساسي قد يدفع البنك المركزي إلى اعتماد نهج يعتمد بشكل كبير على البيانات، قبل اتخاذ أي قرار حاسم بشأن أسعار الفائدة.
تباينات إقليمية في التضخم
أظهرت البيانات أيضًا فروقات بين المقاطعات. فقد تباطأ نمو الأسعار السنوي في تسع مقاطعات. من بينها أونتاريو وكيبيك، مقارنة بديسمبر. في المقابل، تسارع التضخم في بريتيش كولومبيا بسبب تأثيرات سنة الأساس المرتبطة بارتفاع أسعار الفنادق في فانكوفر خلال ديسمبر من العام الماضي.
وتعكس هذه الفروقات تنوع الظروف الاقتصادية المحلية واختلاف تأثيرات سوق الإسكان والطاقة والطلب الإقليمي.
ما الذي يجب مراقبته لاحقًا؟
بعد صدور بيانات CPI، سيتحول تركيز الأسواق إلى:
- بيانات مؤشر أسعار المنتجين (PPI) لقياس الضغوط السعرية في المراحل المبكرة من الدورة الاقتصادية.
- بيانات سوق العمل بما في ذلك معدلات التوظيف والبطالة، والتي تمثل عنصرًا أساسيًا في تقييم الزخم الاقتصادي.
- اتجاهات التضخم العالمية، خصوصًا في الولايات المتحدة وأوروبا، لما لها من تأثير مباشر على العملة الكندية وتدفقات رؤوس الأموال.
الخلاصة
تباطأ التضخم في كندا إلى 2.3% في يناير 2026، إلا أن الضغوط الأساسية لا تزال قائمة. خاصة في مكونات مثل الغذاء والسكن. ويفسّر المستثمرون هذه البيانات على أن معركة السيطرة على التضخم لم تُحسم بعد. ما يعزز توقعات الحذر في تحركات بنك كندا المقبلة.
بالنسبة للمتداولين والمستثمرين، تؤكد هذه البيانات أهمية متابعة تطورات التضخم عن كثب، نظرًا لتأثيرها المباشر على الدولار الكندي، وعوائد السندات، وأداء الأسهم في الفترة القادمة.