أظهر مسح إمباير ستايت الصناعي الصادر اليوم عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك نتائج أقوى من التوقعات، مسجلًا ارتدادًا واضحًا في نشاط التصنيع الإقليمي بعد انكماش طفيف في ديسمبر. ووفقًا للتقرير الرسمي لشهر يناير، ارتفع مؤشر الأوضاع العامة للأعمال إلى 7.7، ليخرج من المنطقة السلبية المسجلة الشهر الماضي، في إشارة إلى تحسن معنويات المصانع في ولاية نيويورك مع بداية العام الجديد.
ويُعد مؤشر إمباير ستايت الصناعي من المؤشرات القيادية المهمة لصحة قطاع التصنيع الأمريكي. إذ يعتمد على استطلاع يشمل نحو 200 من التنفيذيين في ولاية نيويورك، ويقيس اتجاهات الإنتاج، والطلبات الجديدة، والشحنات، والتوظيف، والأسعار، وتوقعات النشاط المستقبلي. وتشير قراءة أعلى من الصفر إلى توسع النشاط، بينما تعكس القراءة السلبية حالة انكماش.
وتُظهر قراءة يناير 2026 عند 7.7 نقطة ارتفاعًا بنحو 11 نقطة مقارنة بديسمبر، حين انخفض المؤشر قليلًا دون الصفر بعد شهرين من القراءات الإيجابية المرتبطة بتحسن النشاط في أواخر 2025. وجاء هذا التحول الإيجابي مدفوعًا بارتفاع قوي في الطلبات الجديدة والشحنات، ما يشير إلى أن قطاع التصنيع قد يكون بصدد استعادة زخمه بعد ضغوط التباطؤ في نهاية العام الماضي.
أبرز مكونات تقرير يناير: الطلبات والشحنات والمخزونات
كشفت التفاصيل الصادرة عن المسح تحسنًا واسع النطاق في النشاط الأساسي:
مؤشر الطلبات الجديدة: ارتفع إلى 6.6 بعد أن كان في المنطقة السلبية في ديسمبر، ما يعكس تحسن الطلب على السلع المصنعة.
مؤشر الشحنات: قفز بقوة إلى 16.3، في إشارة إلى تحسن وتيرة الإنتاج والتوزيع.
الطلبات غير المنجزة: رغم بقائه في المنطقة السلبية، تحسن المؤشر إلى -8.2. ما يشير إلى تراجع الضغوط التشغيلية وسلاسة أكبر مقارنة بالأشهر السابقة.
مواعيد التسليم: استقرت عند 0.0 بعد انكماش ديسمبر، وهو ما يعكس تحسن أوضاع سلاسل التوريد.
المخزونات: سجل مؤشر المخزونات -2.1، ما يدل على تراجع طفيف في تراكم المخزون، وربما يعكس قيام الشركات بضبط مستويات المخزون بما يتماشى مع الطلب الحالي.
وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى تحسن ملموس في نشاط المصانع بولاية نيويورك، مع تعافي الطلب والإنتاج معًا. ويرى المحللون أن هذه البيانات تتماشى مع توسع معتدل في قطاع التصنيع الإقليمي بعد فترة تباطؤ قصيرة في أواخر 2025.
التوظيف وساعات العمل: إشارات متباينة
أظهرت بيانات التوظيف وساعات العمل صورة مختلطة خلال شهر يناير. فقد ارتفع مؤشر عدد العاملين إلى 14.9، مقارنة بقراءة سلبية في ديسمبر. ما يشير إلى أن بعض الشركات بدأت بإضافة وظائف بحذر استجابة لتحسن الطلبات والشحنات.
في المقابل، تراجع مؤشر متوسط أسبوع العمل إلى -5.4، ما يدل على انخفاض طفيف في ساعات العمل. وهو ما قد يحد من التفاؤل بشأن قوة سوق العمل في قطاع التصنيع على المدى القريب. ويعكس هذا التباين استعداد الشركات لزيادة التوظيف، مع استمرار الحذر في ما يتعلق بتكاليف العمالة وعدم اليقين بشأن استدامة الطلب.
ضغوط الأسعار تتراجع نسبيًا لكنها لا تزال مرتفعة
أظهرت مؤشرات الأسعار استمرار الضغوط التضخمية، وإن بوتيرة أقل. فقد ظل مؤشر الأسعار المدفوعة مرتفعًا عند 42.8، ما يعني أن العديد من المصنّعين لا يزالون يواجهون تكاليف مرتفعة للمواد الخام والسلع الوسيطة، رغم تسجيله انخفاضًا طفيفًا مقارنة بالأشهر السابقة.
كما تباطأ مؤشر الأسعار المستلمة إلى 14.4، وهو أدنى مستوى له منذ أوائل 2025، ما يشير إلى تراجع قدرة الشركات على تمرير ارتفاع التكاليف إلى العملاء. وغالبًا ما تعكس هذه القراءة ضغوطًا على هوامش الأرباح أو بيئة تنافسية أكثر تشددًا. خاصة في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المدخلات.
تحسن التوقعات المستقبلية يعزز التفاؤل
كان من أبرز ما جاء في مسح يناير تحسن التوقعات المستقبلية. فقد ظل مؤشر أوضاع الأعمال المستقبلية مرتفعًا، حيث يتوقع نحو نصف المشاركين تحسن الظروف خلال الأشهر الستة المقبلة. كما ارتفعت مؤشرات التوقعات للطلبات الجديدة والشحنات إلى أعلى مستوياتها في عدة أشهر. ما يعكس نظرة أكثر تفاؤلًا لنشاط التصنيع خلال عام 2026.
ويساعد هذا التحسن في التوقعات على تعويض المخاوف المتعلقة بتكاليف المدخلات وسوق العمل، ويشير إلى أن الشركات ترى فرص نمو مستقبلية. حتى وإن كانت غير متساوية بين القطاعات والمناطق. وغالبًا ما ينظر المحللون إلى هذا التفاؤل كمؤشر إيجابي للنشاط الصناعي والاستثمار الرأسمالي إذا ما دعمته أساسيات اقتصادية أقوى.
تأثير البيانات على الأسواق المالية
تفاعلت الأسواق المالية مع تقرير إمباير ستايت بحذر ممزوج بالتفاؤل. فقد سجلت العقود الآجلة للأسهم مكاسب محدودة، لا سيما في أسهم القطاعات الصناعية ومواد البناء الحساسة لنشاط التصنيع. وعادة ما يشير تحسن مؤشرات التصنيع إلى نمو اقتصادي أقوى، ما يدعم توقعات أرباح الشركات وتقييمات الأصول ذات المخاطر.
في المقابل، شهدت أسواق السندات ارتفاعًا طفيفًا في عوائد الأجل القصير، مع قيام المتداولين بإعادة تقييم توقعات النمو والتضخم. كما قد ينعكس تحسن النشاط الصناعي على توقعات الاقتراض والاستثمار والضغوط السعرية، وهي عوامل يراقبها الاحتياطي الفيدرالي عن كثب.
أما في أسواق العملات، فإن تحسن بيئة التصنيع غالبًا ما يدعم الدولار الأمريكي، رغم أن بيانات التضخم وسوق العمل الأخيرة تشير إلى تداخل عوامل متعددة تؤثر في حركة العملة. وقد يحد ارتداد مؤشر إمباير ستايت من بعض التوقعات التيسيرية التي ظهرت عقب بيانات التضخم الأضعف في وقت سابق من هذا الأسبوع.
دلالات المؤشر على سياسة الاحتياطي الفيدرالي
يشير الاقتصاديون إلى أن مؤشرًا إقليميًا واحدًا لا يحدد مسار السياسة النقدية. لكنه يوفر إشارات مبكرة مهمة حول اتجاهات القطاع الصناعي التي قد تؤثر في الصورة الاقتصادية العامة. وفي ظل صدور بيانات التضخم والنمو وسوق العمل هذا الأسبوع، يضيف تقرير يناير مزيدًا من العمق إلى نقاشات السياسة النقدية.
ويعكس التوسع المعتدل في نشاط التصنيع، بعد فترة انكماش، مرونة الاقتصاد الأمريكي مقارنة بما قد توحي به بعض المؤشرات الأخرى. ومع ذلك، فإن استمرار ضغوط الأسعار وعدم اليقين في سوق العمل يعني أن الاحتياطي الفيدرالي سيظل ملتزمًا بنهج يعتمد على البيانات. وسيبقى أي تغيير في السياسة النقدية مرهونًا بتطورات أوسع تشمل التضخم، والتوظيف، والإنفاق الاستهلاكي، والتجارة العالمية.