محاضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي لشهر ديسمبر 2025، التي صدرت اليوم، تكشف عن بنك مركزي يوازن بحذر بين التفاؤل بتراجع التضخم والمخاوف المستمرة بشأن استقرار الأسعار والأوضاع المالية. فعلى الرغم من أن الفيدرالي خفّض أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في اجتماعه خلال ديسمبر، تُظهر المحاضر المنشورة حديثًا أن صناع السياسة ليسوا متفقين بالكامل حول سرعة المضي قدمًا في مزيد من التيسير النقدي. وبالنسبة للأسواق، الرسالة واضحة: اتجاه السياسة تغيّر، لكن وتيرته لا تزال غير محسومة.
ووفقًا للمحاضر، اتفق معظم المسؤولين على أن التضخم أحرز تقدمًا ملموسًا نحو هدف الفيدرالي البالغ 2%، ما أتاح للبنك المركزي البدء في تقليص موقفه التشديدي. ومع ذلك، شدد العديد من المشاركين على أن التضخم لا يزال أعلى من الهدف. وأن المخاطر ما زالت تميل إلى احتمال استمرار ضغوط الأسعار لفترة أطول من المتوقع. هذا الحذر الداخلي يفسر تركيز الفيدرالي على نهج يعتمد على البيانات بدلًا من الإشارة إلى سلسلة سريعة من تخفيضات أسعار الفائدة.
وأشار عدد من صناع السياسة إلى أنه في حين تباطأ تضخم السلع بشكل ملحوظ. لا يزال تضخم قطاع الخدمات، ولا سيما المرتبط بالأجور، مرتفعًا. وقد أثار ذلك مخاوف من أن أي تيسير مبكر أو مفرط قد يعيد إشعال ضغوط الأسعار. وبناءً عليه، أكد المسؤولون أهمية مراقبة بيانات التضخم وسوق العمل القادمة بعناية قبل الالتزام بإجراء تعديلات إضافية على السياسة النقدية.
الأوضاع المالية تحت المجهر
من أبرز النقاط ذات الأهمية للأسواق في المحضر تركيز الفيدرالي على الأوضاع المالية. إذ عبّر عدد من المشاركين عن قلقهم من أن تكون الأسواق قد تيسّرت بسرعة كبيرة استجابةً لتحوّل السياسة. وجرى ذكر ارتفاع أسعار الأسهم، وانخفاض عوائد السندات، وتضييق فروق الائتمان كعوامل قد تحفّز الطلب وتُعقّد مسار التضخم.
يشير ذلك إلى أن الفيدرالي لا يراقب المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل يتابع أيضًا ردود فعل المستثمرين عن كثب. فإذا تيسّرت الأوضاع المالية بشكل مفرط، فقد يقلّل ذلك من فاعلية السياسة النقدية ويؤخر التقدم نحو استقرار الأسعار. وبالنسبة للمتداولين، فهذا يسلّط الضوء على ديناميكية مهمة: ارتفاعات الأسواق نفسها قد تؤثر في قرارات الفيدرالي المقبلة، ما يعزز نبرة تواصل حذرة ومدروسة.
تباين الآراء داخل الفيدرالي
يكشف المحضر عن تزايد التباين بين صانعي السياسة بشأن المسار المناسب للفائدة. فبينما يرى بعض الأعضاء أن خفض الفائدة الحالي يمثل بداية تطبيع تدريجي، يعتقد آخرون أن الإبقاء على معدلات مقيدة لفترة أطول قد يكون ضروريًا إذا تباطأ تراجع التضخم.
وأشار عدة مشاركين إلى أن سعر الفائدة الحالي قد يكون عند الذروة أو قريبًا منها، لكنهم شددوا على أن أي خفض إضافي يجب أن يعتمد على استمرار تراجع التضخم. بل إن بعضهم أشار إلى أنه في حال تسارع التضخم مجددًا، فإن الإبقاء على الفائدة دون تغيير لفترة ممتدة سيكون مناسبًا. ويعزز هذا الجدل الداخلي تركيز الفيدرالي على المرونة بدل الالتزام بمسار مسبق.
سوق العمل: متماسك لكنه يبرد تدريجيًا
كان تقييم سوق العمل محورًا مهمًا آخر في المحضر. فقد اتفق المسؤولون عمومًا على أن ظروف التوظيف لا تزال قوية، مع بروز إشارات تباطؤ تدريجي. فقد تباطأ نمو الوظائف مقارنة بالقمم السابقة، وتراجعت ضغوط الأجور نسبيًا، وبدأ الطلب على العمالة يعيد التوازن.
وأكّد العديد من المشاركين أن سوق العمل لم يعد المحرّك الأساسي للتضخم، ما يدعم مبررات التيسير. في المقابل، حذّروا من أن أي ضعف مفاجئ في التوظيف قد يشكّل مخاطر على النمو، ما يستلزم معايرة دقيقة للسياسة. هذا التوازن بين تفادي عودة التضخم ومنع تدهور سوق العمل يُجسّد معضلة الفيدرالي الحالية.
تفاعل الأسواق: تحركات محسوبة عبر الأصول
جاء تفاعل الأسواق هادئًا نسبيًا، إذ كان جزء كبير من الرسائل قد سُعّر مسبقًا. فقد تراجع الدولار الأمريكي بشكل طفيف مع تأكيد المتداولين انتهاء دورة التشديد. بينما ظلت مكاسب العملات المنافسة محدودة بسبب النبرة الحذرة للمحضر.
وتراجعت عوائد سندات الخزانة في مقدمة المنحنى قليلًا، بما يعكس توقعات التيسير التدريجي، في حين بقيت العوائد طويلة الأجل مستقرة نسبيًا. وسجلت الأسهم مكاسب محدودة، خاصة في القطاعات الحساسة للفائدة. لكن الحماسة قُيّدت بتحذير الفيدرالي من تيسير الأوضاع المالية بسرعة مفرطة. أما الذهب فوجد دعمًا مع ترسيخ فكرة تراجع العوائد الحقيقية تدريجيًا، دون اندفاعة صعودية قوية في ظل غياب التزام تيسيري واضح.
ما الذي ينبغي على المتداولين استخلاصه؟
يعزز محضر اليوم موضوعًا محوريًا لعام 2026: عدم اليقين السياسي لم ينتهِ. فالفيدرالي ابتعد عن التشديد الحاد، لكنه لا يندفع نحو التحفيز. بل يدخل مرحلة إعادة معايرة حذرة تقودها البيانات وسلوك الأسواق.
تُفضّل هذه البيئة استراتيجيات تداول منضبطة قائمة على البيانات، بدل الرهانات الاتجاهية العنيفة. ومن المرجح استمرار التقلبات حول تقارير التضخم والوظائف وتواصل الفيدرالي. إذ يمكن لكل نقطة بيانات أن تغيّر توقعات توقيت وسرعة التخفيضات المقبلة. والأهم أن المحضر يؤكد مراقبة الفيدرالي الدقيقة لتفاعل الأسواق، ما يستوجب الانتباه لنبرة الخطاب والصياغات والاختلافات الداخلية.
الخلاصة
يُبرز محضر اجتماع ديسمبر 2025 للفيدرالي بنكًا مركزيًا يدخل دورة تيسير بحذر، مع التحوّط من التراخي. فقد فتح تراجع التضخم الباب أمام خفض الفائدة، لكن استمرار ضغوط الأسعار وتيسير الأوضاع المالية يُبقيان صانعي السياسة في حالة يقظة.
بالنسبة للأسواق، الرسالة دقيقة: الفيدرالي لم يعد يحارب التضخم بأقصى قوة، لكنه لم يُعلن النصر بعد. وعلى المتداولين في هذه المرحلة الانتقالية التحلّي بالصبر والمرونة، ومتابعة البيانات ورسائل البنوك المركزية عن كثب مع تبلور المرحلة التالية من السياسة النقدية.