دخلت أسعار الذهب في موجة تراجع قوية استمرت أربعة أيام متتالية، ما أثار قلق المتداولين والمستثمرين الذين كانوا حتى وقت قريب يستفيدون من واحدة من أقوى موجات الصعود التاريخية للمعدن النفيس. فبعد تسجيل قمم قياسية في وقت سابق من هذا العام، انعكس الاتجاه بشكل حاد، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول أسباب موجة البيع الحالية، وما إذا كانت تمثل تحولًا أعمق في المعنويات، وما الذي قد يحمله المستقبل خلال الأشهر المقبلة.
وتشير بيانات الأسواق العالمية إلى أن الذهب تكبد خسائر حادة. حيث هبطت الأسعار خلال جلسة يوم الاثنين بما يصل إلى 9% خلال اليوم قبل أن تشهد ارتدادًا جزئيًا. أما الفضة، فقد كان أداؤها أسوأ، إذ تراجعت بنسب مزدوجة قبل أن تستقر بشكل محدود، في تحول حاد بعد موجة الصعود غير المسبوقة التي شهدها المعدنان الشهر الماضي. ويصف محللون هذه الموجة بأنها واحدة من أعنف التراجعات في أسواق المعادن النفيسة منذ سنوات. خاصة بعد مكاسب استثنائية غذّتها عوامل اقتصادية كلية وجيوسياسية.
ما الذي أشعل موجة الهبوط الأخيرة؟ تحولات السياسة والاقتصاد الكلي
يرى مراقبو الأسواق أن تطورات السياسة النقدية والتحول المفاجئ في شهية المخاطرة شكّلا المحركين الرئيسيين لهبوط الذهب الأخير. وجاءت الحركة الأعنف بعد تقارير تفيد بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعتزم ترشيح كيفن وورش، العضو السابق في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، لمنصب رئيس الفيدرالي القادم.
ويُنظر إلى وورش على أنه أكثر تشددًا وانضباطًا ماليًا مقارنة بسلفه. ما أعاد إشعال التوقعات بأن يتبنى الاحتياطي الفيدرالي نهجًا أقل تيسيرًا مما كانت الأسواق تأمل. وهو ما عزز قوة الدولار الأمريكي وأضعف جاذبية الأصول غير المدرة للعائد مثل الذهب.
وقد أدى تأكيد أنباء الترشيح أواخر الأسبوع الماضي إلى ارتداد قوي في الدولار، وهو عامل سلبي تقليدي للذهب، وأطلق موجة واسعة من تفكيك المراكز المضاربية والمرفوعة بالرافعة المالية في أسواق المعادن النفيسة. ومع تصاعد الخسائر، أُجبر العديد من المتداولين الذين راكموا مراكز شراء خلال الصعود التاريخي على تسييل مراكزهم نتيجة نداءات الهامش، ما فاقم وتيرة الهبوط.
وزادت الضغوط أيضًا بعد قيام مجموعة CME، المشرفة على عقود الذهب والفضة الآجلة، برفع متطلبات الهامش. ما قلّص القدرة على استخدام الرافعة المالية ودفع إلى عمليات بيع قسرية إضافية.
وعلى صعيد العرض والطلب، ساهمت تطورات الأسواق العالمية في زيادة التقلبات، إذ وصلت عقود الذهب الآجلة في الهند إلى حدود التراجع القصوى ، ي إشارة إلى حالة بيع واسعة وحذر متزايد بين المتعاملين مع تفاعلهم مع التحركات العالمية والأحداث الاقتصادية المحلية.
هل للتوترات الجيوسياسية دور في التراجع؟
قبل الانعكاس الأخير، كان الذهب يتمتع بدعم قوي من المخاطر الجيوسياسية. فقد دفعت التوترات في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، إلى جانب المخاوف المتعلقة بمصداقية السياسة الأمريكية، المستثمرين إلى اللجوء إلى الذهب كملاذ آمن. ما قاده إلى مستويات تاريخية.
إلا أن هذا الدعم تراجع مؤقتًا بعدما فسّرت الأسواق إشارات السياسة النقدية وترشيح رئيس الفيدرالي الجديد على أنها أقل تضخمية مما كان يُخشى. ما قلل من جاذبية الذهب كأداة تحوط في الأجل القريب.
ومع ذلك، فإن المخاطر الجيوسياسية لم تختفِ بالكامل، ولا تزال تشكل دعمًا هيكليًا للذهب على المدى الطويل. حتى مع تراجع اهتمام المتداولين على المدى القصير.
تحركات الأسعار الأخيرة ورد فعل الأسواق
وبحسب بيانات السلع الفورية، تراجعت أسعار الذهب إلى نحو 4,763 دولارًا للأونصة بتاريخ 2 فبراير 2026. بانخفاض يقارب 2.5% خلال اليوم وعدة نقاط مئوية على مدار الأسبوع. ورغم أن هذا يأتي بعد فترة طويلة من الأداء القوي، فإن حدة التصحيح أثارت تساؤلات حول ما إذا كان الذهب دخل مرحلة هبوط أوسع أم أنه يمر فقط بمرحلة تصحيح بعد تشبع شرائي.
أما الفضة، فقد أظهرت تقلبات أعنف. حيث ضاعفت من خسائر الذهب، خصوصًا في ظل وجود مراكز مرفوعة بالرافعة المالية. وتكبدت صناديق التحوط وصناديق السلع ذات الانكشاف الكبير على المعادن النفيسة خسائر ملحوظة. ما أضاف مزيدًا من الضغوط البيعية.
ماذا يقول المحللون؟ النظرة المستقبلية للذهب في 2026
رغم التصحيح قصير الأجل، لا تزال النظرة طويلة المدى للذهب مختلطة ولكنها بناءة نسبيًا وفقًا للعديد من التقديرات. إذ تتوقع عدة بنوك كبرى ومحللين أن يظل الذهب عند مستويات مرتفعة، أو حتى يسجل قممًا جديدة لاحقًا في 2026. مدعومًا باستمرار عدم اليقين الاقتصادي، وتوجه البنوك المركزية لتنويع احتياطاتها بعيدًا عن الأصول التقليدية، واستمرار الانقسام الجيوسياسي العالمي.
وتتركز معظم التوقعات عند مستويات فوق 4,000 دولار للأونصة خلال العام. مع بعض السيناريوهات التي تشير إلى إمكانية العودة نحو 5,000 دولار أو أكثر إذا توفرت الظروف الداعمة.
في المقابل، حذرت جهات مثل مجلس الذهب العالمي (WGC) من سيناريوهات قد يشهد فيها الذهب تصحيحًا أعمق، قد يصل إلى 5%–20%. في حال عادت الضغوط التضخمية وارتفعت العوائد الحقيقية. ما يقلص علاوة الملاذ الآمن للذهب.
وتعكس هذه التباينات العوامل الرئيسية المؤثرة في أسعار الذهب خلال 2026:
- أسعار الفائدة والعوائد الحقيقية: ارتفاعها يدعم الدولار ويضغط على الذهب.
- توقعات السياسة النقدية: قرارات الفيدرالي، خاصة إذا تأخرت التخفيضات أو تم التراجع عنها.
- المخاطر الجيوسياسية والمالية: أي تصعيد جديد قد يعيد الطلب على الذهب كملاذ آمن.
فرصة شراء أم تصحيح أعمق؟
لا تزال الآراء منقسمة. فالمتداولون على المدى القصير يرون الهبوط الأخير تصحيحًا فنيًا طبيعيًا بعد موجة صعود مفرطة. خاصة بعد تفكيك الرافعة المالية وتلاشي المضاربات.
في المقابل، يرى آخرون أن هذا التراجع قد يمهّد الطريق لتجميع صحي يسمح للذهب ببناء قاعدة أكثر تماسكًا قبل استئناف الاتجاه الصاعد على المدى الأطول.
أما المستثمرون طويلو الأجل، فما زال كثير منهم يعتبر الذهب عنصرًا أساسيًا في المحافظ المتنوعة، كأداة تحوط ضد المخاطر النظامية وتقلبات العملات، رغم التقلبات قصيرة الأجل.
الخلاصة: التقلبات تسيطر بعد موجة تاريخية
في المحصلة، فإن التراجع الحاد للذهب خلال الأيام الأربعة الماضية جاء مدفوعًا بشكل أساسي بتحولات السياسة النقدية، وتفكيك المراكز المضاربية، وتغير معنويات المخاطرة، وليس نتيجة انهيار أساسي في الطلب.
ورغم أن المخاطر الجيوسياسية لا تزال قائمة في الخلفية، فإن الإشارات الاقتصادية الكلية القوية حولت الأنظار مؤقتًا بعيدًا عن المعادن النفيسة. وما إذا كان هذا التصحيح يمثل استراحة مؤقتة أم نقطة تحول في مسار الذهب خلال 2026. سيعتمد إلى حد كبير على قرارات البنوك المركزية القادمة، وبيانات التضخم، وتطورات الأسواق المالية العالمية.