واصلت أسعار الفضة صعودها اللافت اليوم، حيث نجح المعدن النفيس في اختراق مستوى 100 دولار للأونصة والإغلاق فوقه للمرة الأولى في التاريخ، في إنجاز تاريخي يعكس تصاعد الطلب الاستثماري وتفاعل الأسواق مع مجموعة واسعة من العوامل التي دفعت الأسعار بقوة إلى الأعلى خلال عام 2026.
وبحسب أحدث بيانات السوق، ارتفعت أسعار الفضة إلى نحو 102.95 دولار للأونصة بتاريخ 23 يناير، مسجلة مكاسب تتجاوز 7% في جلسة واحدة، وهو ما يعد من أقوى التحركات السعرية في الذاكرة الحديثة.
هذا الاختراق فوق المستوى الثلاثي للأرقام جذب اهتمامًا عالميًا واسعًا، مدفوعًا بمزيج نادر من الطلب على الملاذات الآمنة، والطلب الصناعي القوي، وقيود المعروض. وخلال الشهر الماضي وحده، ارتفعت أسعار الفضة بأكثر من 43%، في حين تجاوزت مكاسبها على أساس سنوي 230%، ما يبرز قوة هذا الاتجاه الصاعد وحجم التدفقات المالية الكبيرة نحو المعدن الأبيض.
صعود قياسي يعكس الدور المزدوج للفضة: ملاذ آمن ومعدن صناعي
يشير المحللون إلى عدة عوامل رئيسية تقف خلف اندفاع الفضة إلى مناطق سعرية غير مسبوقة:
أولًا: الطلب على الملاذات الآمنة
أدت الضبابية الجيوسياسية المستمرة، بما في ذلك المخاوف من إغلاق حكومي محتمل في الولايات المتحدة وتهديدات بفرض تعريفات جمركية جديدة، إلى تعزيز الإقبال على المعادن النفيسة كملاذ تقليدي للقيمة.
وقد استفادت الفضة، على غرار الذهب، من هذا التحول في شهية المستثمرين الباحثين عن الحماية من تقلبات الأسواق وضعف العملات. وتشير تقارير حديثة إلى أن الذهب نفسه يختبر مستويات قياسية أعلى من 5,000 دولار للأونصة، ما يعكس اتجاهًا صاعدًا عامًا في سوق المعادن النفيسة.
ثانيًا: الطلب الصناعي
على عكس الذهب، تتمتع الفضة بمكون صناعي قوي. حيث يرتبط ما يقرب من 60% من استهلاكها العالمي بقطاعات مثل الطاقة الشمسية، والإلكترونيات، وتقنيات الكهربة المتقدمة.
هذا الطلب الهيكلي يمنح أسعار الفضة دعمًا إضافيًا، ويميز هذا الارتفاع عن التحركات المضاربية البحتة. ويعزز جاذبيتها كأصل استثماري ومعدن صناعي في آن واحد.
ثالثًا: قيود المعروض
يشدد محللو السوق على أن المعروض العالمي من الفضة يعاني من ضغوط واضحة، حيث لا يزال إنتاج المناجم الرئيسية راكدًا، في حين لم يتمكن نشاط إعادة التدوير من سد الفجوة المتزايدة.
وقد أثارت هذه الاختلالات مخاوف بشأن ضيق الأسواق الفعلية، ما عزز اهتمام المستثمرين وساهم في تسارع الزخم الصاعد للأسعار.
تأثيرات السوق: المعادن النفيسة والمزاج الاستثماري العام
كان لاختراق الفضة لمستويات قياسية تأثيرات متسلسلة واسعة عبر الأسواق المالية. ففي أسواق المعادن النفيسة، تزامن صعود الفضة مع موجة ارتفاع شملت الذهب ومعادن مجموعة البلاتين. ما يعكس تصاعد حالة العزوف عن المخاطر وإعادة توزيع الأصول الاستراتيجية.
فعلى سبيل المثال، اختبر الذهب الفوري مستويات قريبة من 5,000 دولار للأونصة هذا الأسبوع. بينما سجل كل من البلاتين والبلاديوم مكاسب قوية بدورهما.
كما امتد تأثير ارتفاع الفضة إلى أسواق الأسهم، لا سيما الشركات المرتبطة بقطاع التعدين والمعادن الصناعية. فقد جذبت أسهم كبار منتجي الفضة وشركات التعدين المتنوعة اهتمام المستثمرين. وسجل بعضها مكاسب مزدوجة الرقم مدعومة بتحسن معنويات السلع الأساسية.
وشهدت كذلك الصناديق المتداولة المدعومة بالفضة (ETFs) تدفقات قوية، مع سعي المستثمرين إلى تعزيز انكشافهم على الأصول الحقيقية في ظل بيئة سوقية متقلبة.
آراء المستثمرين: هل الصعود مستدام أم مبالغ فيه؟
تنقسم آراء المحللين والمراقبين حول مدى استدامة هذا الارتفاع الحاد في أسعار الفضة:
الرؤية المتفائلة
يرى بعض المحللين أن اختراق مستوى 100 دولار ليس سوى بداية. مع إمكانية تحقيق مكاسب إضافية إذا استمر نمو الطلب من قطاعات الطاقة المتجددة وتصاعدت التوترات الجيوسياسية. وتشير بعض التوقعات إلى أن أسعار الفضة قد تبقى مرتفعة خلال عام 2026. خاصة إذا توسع الاستخدام الصناعي واستمر الطلب الاستثماري القوي.
الرؤية التحذيرية
في المقابل، يحذر آخرون من أن حدة التقلبات والتمدد الفني المفرط قد تمهد لفترات من التماسك أو عمليات جني أرباح حادة. فالارتفاعات السريعة غالبًا ما تجذب نشاطًا مضاربيًا مكثفًا. ما يزيد من حدة التذبذب ويضاعف المخاطر في حال تغير المزاج العام للسوق بشكل مفاجئ.
وكما هو الحال مع جميع السلع، فإن عوامل خارجية مثل تحركات العملات، وتوقعات أسعار الفائدة، والبيانات الاقتصادية الكلية قد تؤثر بقوة على السلوك السعري على المدى القصير.
ما الذي يراقبه المتداولون في المرحلة المقبلة؟
مع استقرار الفضة أعلى مستوى 100 دولار، يراقب المشاركون في السوق مجموعة من المؤشرات والعوامل المحورية، أبرزها:
اتجاهات الطلب الصناعي: خصوصًا نمو قطاعات الطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية، وما قد يسببه من ضغوط إضافية على المعروض.
تحركات الدولار الأمريكي: حيث يؤدي ضعف الدولار عادة إلى دعم السلع المقومة به، بما في ذلك الفضة.
بيانات التضخم وسياسات البنوك المركزية: إذ تلعب توقعات خفض أسعار الفائدة أو استمرار التضخم دورًا مهمًا في تشكيل شهية المستثمرين للمعادن النفيسة.
التطورات الجيوسياسية: حيث تساهم التوترات العالمية غالبًا في إبقاء تدفقات الملاذ الآمن نشطة.
اختراق تاريخي للفضة: فصل جديد للمعدن الأبيض
يمثل صعود الفضة إلى مستويات قياسية محطة فارقة في مشهد أسواق السلع لعام 2026. فبفضل مزيج قوي من الطلب على الملاذات الآمنة، والأسس الصناعية المتينة، وقيود المعروض الهيكلية، دخل المعدن الأبيض نطاقًا سعريًا نادرًا فوق 100 دولار للأونصة. وهو إنجاز لم يكن متوقعًا قبل أشهر قليلة فقط.
وسيحدد تفاعل القوى الاقتصادية الكلية ومزاج المستثمرين ما إذا كان هذا الارتفاع سيستمر. لكن في الوقت الحالي، تقف الفضة في صدارة أسواق السلع العالمية كأحد أقوى الأصول أداءً.