شهد سوق الفضة فترة استثنائية من التقلبات الحادة خلال الجلسات الأخيرة، حيث تحركت الأسعار بعنف عقب واحدة من أقسى الانخفاضات في سنوات. فبعد موجة بيع تاريخية أدت إلى انهيار أسعار الفضة بنحو 30% أواخر الأسبوع الماضي، سجل المعدن الأبيض ارتدادًا ملحوظًا يوم الثلاثاء، ما أعاد اهتمام المستثمرين وطرح تساؤلات حول ما إذا كان هذا التحرك مجرد تصحيح مؤقت أم بداية لمرحلة تعافٍ أوسع.
وبحسب أحدث بيانات الأسعار، ارتدت الفضة من مستويات قريبة من 75 دولارًا للأونصة لتتداول بين 84.50 و87.50 دولارًا للأونصة في التعاملات المبكرة بتاريخ 3 فبراير 2026. ويمثل هذا التعافي ارتفاعًا قويًا خلال اليوم، مدفوعًا بعودة الطلب من مشترين يسعون لاقتناص الأسعار المنخفضة عقب الانخفاض الحاد الذي شهده السوق الأسبوع الماضي.
وجاء ارتداد الفضة متزامنًا مع تحسن أسعار الذهب ومعادن نفيسة أخرى. حيث يرى بعض المحللين أن ما حدث هو ارتداد فني أكثر منه تحولًا جذريًا في الأساسيات. وأفادت تقارير الأسواق العالمية بأن الفضة قفزت بأكثر من 9% في الجلسات المبكرة مع توجه المستثمرين لشراء الانخفاض، رغم بقاء الأسعار بعيدة عن قمم الأسبوع الماضي التي قاربت 121 دولارًا للأونصة.
ما الذي أشعل الهبوط الحاد؟ تقلبات عنيفة وتصفية مراكز
جاءت التحركات العنيفة الأخيرة في أعقاب فترة من الزخم الاستثنائي للفضة. حيث سجل المعدن مستويات تاريخية مرتفعة في أواخر العام الماضي بدعم من قوة الطلب الصناعي وشح المعروض. وعلى مدار الاثني عشر شهرًا الماضية، ارتفعت الفضة بأكثر من 160%. رغم أن الأسابيع الأربعة الأخيرة شهدت تباطؤًا طفيفًا قبل الانهيار العنيف.
الهبوط الحاد الذي وقع أواخر الأسبوع الماضي كان نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها:
- تغير توقعات السياسة النقدية
- تحركات مفاجئة في قوة الدولار الأمريكي
- عمليات تصفية تقنية واسعة في أسواق العقود الآجلة
ووفقًا لتقارير الأسواق، تراجعت أسعار الفضة بأكثر من 30% في جلسة واحدة، مسجلة ثاني أسوأ يوم تداول في تاريخ المعدن. مع إجبار المراكز ذات الرافعة المالية العالية على الخروج من السوق، وتبخر الرهانات المضاربية بسرعة كبيرة.
ويرى محللون أن هذه التحركات القصوى لا تعكس فقط أساسيات العرض والطلب، بل تسلط الضوء على بنية السوق والتمركزات الممولة بالرافعة المالية. التي تميل إلى تضخيم التحركات السعرية خلال فترات العزوف عن المخاطرة والتغيرات الفنية المفاجئة.
عوامل الارتداد: دعم فني وشراء عند الانخفاضات
يبدو أن التعافي الحاد للفضة هذا الأسبوع مدفوع بشكل أساسي بعوامل فنية وعمليات شراء انتهازية. حيث اعتبر المتداولون المستويات الأخيرة مناطق تشبع بيعي. وأشارت تغطيات أسواق المعادن النفيسة إلى أن الذهب والفضة سجلا ارتفاعات متزامنة. مع قفز الفضة بنحو 13% يوم الثلاثاء بعد موجة البيع العنيفة.
ووصف بعض المراقبين هذا السلوك بأنه تعامل المستثمرين مع التراجع وكأنه “تخفيضات بداية العام”. حيث دفعت الخسائر الكبيرة بعض الصناديق والمستثمرين طويلي الأجل لإعادة بناء المراكز بعد تقليصها سابقًا. ما ساعد على دعم الأسعار واستقرارها مؤقتًا.
كما سجلت صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالفضة (ETFs) تعافيًا قويًا، مع تحقيق بعض الصناديق مكاسب مزدوجة الرقم. ما يعكس أن الطلب الاستثماري لم يختفِ بالكامل رغم ارتفاع مستوى المخاطر.
الوضع السعري الحالي ومعنويات السوق
تُظهر بيانات التداول اللحظية أن الفضة تتحرك حاليًا داخل نطاق دعم يتراوح بين 78 و86 دولارًا للأونصة، مع تركيز المؤشرات الفنية على مستويات محورية قد تحدد الاتجاه القادم. وتشير بيانات بورصة كومكس إلى أن مناطق الدعم عند 76 – 78 دولارًا تخضع لمراقبة دقيقة. في حين تشكل منطقة 84 – 86 دولارًا مقاومة مهمة إذا استمر الارتداد.
ورغم التعافي الأخير، لا تزال الفضة بعيدة عن قممها القياسية المسجلة في أواخر يناير. ما يبقي حالة عدم اليقين مسيطرة على توقعات المستثمرين لبقية عام 2026. وتعكس حركة السوق هذا الأسبوع مزيجًا من ارتداد قصير الأجل وحذر واضح تجاه العوامل الاقتصادية الكلية، مثل أسعار الفائدة، واتجاهات الطلب الصناعي، وتحركات الدولار.
آراء المحللين والتوقعات الأوسع للفضة
في حين يشير الارتداد الأخير إلى محاولات استقرار، تبقى الرؤى طويلة الأجل للفضة متباينة بين المحللين. فالتوقعات المنشورة خلال الأسابيع الماضية تُظهر نطاقًا واسعًا للأسعار المحتملة خلال عام 2026.
بعض المحللين يرون إمكانية استمرار الاتجاه الصاعد إذا استمرت فجوات المعروض وتعزز الطلب الصناعي، في حين يتوقع آخرون مرحلة تجميع وتصحيح بعد هذه التحركات الحادة. وتشير تقديرات السوق إلى أن أسعار الفضة قد تتراوح بين 60 و130 دولارًا للأونصة خلال 2026، تبعًا للظروف الاقتصادية، وتدفقات المستثمرين، ومستويات الاستهلاك الصناعي.
في السيناريوهات الأكثر تفاؤلًا، والتي غالبًا ما ترتبط بتضخم مستمر أو عودة قوية لحالة العزوف عن المخاطر، قد تعود الفضة لاختبار المستويات الثلاثية الرقم. إلا أن معظم المحللين يحذرون من أن التقلبات والتصحيحات الفنية ستظل حاضرة على المدى القريب.
الطلب الصناعي مقابل الطلب الاستثماري: وجهان لقصة الفضة
تتميز الفضة بمكانة فريدة تجمع بين كونها معدنًا نفيسًا وسلعة صناعية. ما يضيف تعقيدًا لحركتها السعرية. فالطلب الصناعي من قطاعات مثل الإلكترونيات، والطاقة الشمسية، والسيارات الكهربائية يوفر قاعدة استهلاك قوية على المدى الطويل.
في المقابل، يتسم الطلب الاستثماري، المرتبط بالتحوط، وعدم اليقين الاقتصادي، والزخم الفني، بتقلبات حادة. كما ظهر بوضوح في تحركات أواخر يناير وبداية فبراير. حيث يمكن لمعنويات المستثمرين أن تنقلب بسرعة مع تغير توقعات السياسة النقدية والضغوط في الأسواق العالمية.
الخلاصة: تقلبات الفضة تعكس إعادة توازن السوق
تُبرز التحركات الأخيرة في أسعار الفضة حالة الشد والجذب بين المضاربة المفرطة والطلب الحقيقي في أسواق المعادن العالمية. فبعد موجة صعود تاريخية دفعت الأسعار إلى مستويات مرتفعة للغاية، جاء التصحيح العنيف ثم الارتداد اللاحق ليعكسا سوقًا يحاول التكيف مع تغيرات سريعة في التوقعات الاقتصادية، ومعنويات المخاطرة، والتمركزات الفنية.
ورغم أن الارتداد الحالي يشير إلى بعض الاستقرار بعد الخسائر الحادة، إلا أن التقلبات ستظل سمة أساسية لسوق الفضة في مطلع عام 2026. وسيواصل المستثمرون والمتداولون مراقبة المستويات السعرية المفصلية، واتجاهات الطلب الصناعي، والإشارات الاقتصادية الكلية لتحديد ما إذا كان هذا التعافي مستدامًا أم مجرد توقف مؤقت قبل مرحلة تجميع أوسع.