أصدر مكتب إحصاءات العمل الأمريكي (BLS) اليوم أحدث بيانات مؤشر أسعار المستهلكين (CPI)، في وقت تتسم فيه الأسواق بحساسية عالية تجاه أي مؤشرات قد تؤثر على مسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. ورغم أن التضخم العام أظهر نموًا شهريًا معتدلًا، فإن الضغوط السعرية الأساسية بقيت مرتفعة، ما يعزز التقديرات بأن العودة إلى مستهدف الفيدرالي عند 2% قد تكون أبطأ وأكثر تعقيدًا مما كان يتوقعه المستثمرون.
أظهرت بيانات يناير ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.3% على أساس شهري معدل موسميًا، محافظًا على وتيرة مستقرة من الزيادات الشهرية. وعلى أساس سنوي، ارتفع المؤشر العام بنسبة 2.9%، ليظل التضخم أعلى من الهدف طويل الأجل للاحتياطي الفيدرالي. ورغم أن المعدلات الحالية أقل بكثير من الذروات المسجلة في 2022، فإن الأرقام الأخيرة تؤكد أن الضغوط التضخمية لا تزال متجذرة في قطاعات رئيسية من الاقتصاد.
التضخم الأساسي لا يزال مرتفعًا
الأكثر إثارة لقلق صناع السياسة كان أداء التضخم الأساسي. فباستثناء أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، ارتفع مؤشر الأسعار الأساسي بنسبة 0.3% في يناير، ليستقر المعدل السنوي قرب 3.1%. ويُنظر إلى التضخم الأساسي باعتباره مقياسًا أدق للاتجاهات السعرية الكامنة، واستمراره فوق مستوى 3% يشير إلى أن الضغوط التضخمية لم تتراجع بالكامل.
واصلت تكاليف الإسكان لعب دور محوري في دفع الارتفاع الشهري، حيث ارتفعت الإيجارات ومكافئ الإيجار للمالكين بوتيرة مستقرة. ويُعد بند الإسكان من أكثر مكونات التضخم لزوجةً خلال العام الماضي، نظرًا لوزنه الكبير في سلة المؤشر وتأثيره المباشر على القراءة العامة.
كما بقي تضخم الخدمات قويًا، مدعومًا بضغوط الأجور والطلب القوي في القطاعات كثيفة العمالة. في المقابل، تراجع تضخم السلع مقارنة بالسنوات السابقة، لكن قطاع الخدمات لا يزال يُظهر قدرة واضحة على تمرير التكاليف إلى المستهلكين.
سياق أوسع وتداعيات اقتصادية
يأتي تقرير يناير في ظل متابعة دقيقة للبيانات الاقتصادية، خصوصًا بعد اضطرابات وتأجيلات سابقة في بعض الإصدارات الرسمية. ومع إعادة تسعير الأسواق لتوقعاتها بشأن السياسة النقدية خلال 2026، يمثل هذا التقرير نقطة مفصلية في رسم التوقعات قصيرة الأجل.
خلال الأشهر الماضية، اتجه التضخم تدريجيًا نحو الانخفاض، ما عزز رهانات الأسواق على قرب بدء دورة خفض الفائدة. غير أن استمرار التضخم الأساسي حول 3% قد يدفع الفيدرالي إلى تبني نهج أكثر حذرًا.
وقد شدد مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي مرارًا على ضرورة تحقيق تقدم مستدام في مسار التضخم قبل التحول إلى سياسة تيسيرية. ويعزز التقرير الأخير الرسالة بأن التضخم لم يعد في حالة تسارع، لكنه لم يُحتوَ بالكامل بعد.
رد فعل الأسواق الفوري
جاءت استجابة الأسواق سريعة وواضحة:
- عوائد سندات الخزانة الأمريكية ارتفعت، في إشارة إلى تراجع الثقة بخفض الفائدة على المدى القريب. وصعد عائد السندات لأجل 10 سنوات مع إعادة تسعير احتمالات بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
- الدولار الأمريكي عزز مكاسبه مقابل العملات الرئيسية، مدعومًا بارتفاع العوائد وتوقعات استمرار التشديد النقدي.
- أسواق الأسهم شهدت تقلبات ملحوظة، حيث تعرضت أسهم النمو والتكنولوجيا لضغوط بفعل حساسية تقييماتها لأسعار الفائدة، بينما أبدت الأسهم المالية مرونة نسبية.
- الذهب تراجع مع صعود العوائد وقوة الدولار، ما قلص جاذبية الأصول غير المدرة للعائد.
- السلع تحركت بحذر، مع إعادة تقييم توقعات الطلب المرتبطة بالتضخم.
ماذا يعني ذلك لسياسة الفيدرالي؟
يعقد تقرير التضخم الحالي حسابات السياسة النقدية. فبينما كانت الأسواق تميل إلى التفاؤل بإمكانية خفض الفائدة لاحقًا هذا العام، فإن استمرار التضخم الأساسي قد يدفع الفيدرالي إلى تبني موقف “الانتظار والترقب”.
في ظل بقاء معدل البطالة عند مستويات منخفضة نسبيًا واستمرار نمو الوظائف بوتيرة معتدلة، لا يواجه الفيدرالي ضغوطًا عاجلة لتيسير السياسة بشكل سريع.
يبقى تضخم الخدمات، خاصة في قطاع الإسكان، نقطة التحدي الأساسية. وطالما استمرت هذه المكونات عند مستويات مرتفعة، سيواصل صناع القرار التأكيد على الصبر بدلاً من التسرع في خفض الفائدة.
من المتوقع أن تعكس أسواق العقود الآجلة للفائدة الآن احتمالات أقل لخفض قريب، مع ترحيل التوقعات إلى النصف الثاني من 2026.
ما الذي يراقبه المستثمرون الآن؟
سيتركز اهتمام المتداولين في المرحلة المقبلة على:
- بيانات مؤشر أسعار المنتجين (PPI) لرصد الضغوط التضخمية في مراحل الإنتاج.
- تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي للحصول على إشارات محدثة حول السياسة.
- بيانات سوق العمل لتقييم اتجاهات الأجور.
- التطورات الاقتصادية العالمية التي قد تؤثر على أسعار الطاقة والسلع.
تبقى بيانات التضخم من أكثر المحفزات تأثيرًا في تحركات الأسواق، ما يعني استمرار التقلبات المرتبطة بها.
الخلاصة
يحمل تقرير يناير رسالة واضحة: التضخم لم يعد في حالة تسارع، لكنه لا يزال فوق المستوى المستهدف. استمرار الضغوط في التضخم الأساسي يعيد ضبط توقعات خفض الفائدة، ويدفع الأسواق إلى إعادة تقييم مراكزها.
مع ارتفاع العوائد، وصعود الدولار، وتقلب الأسهم، يبقى مؤشر أسعار المستهلكين المحرك الرئيسي لمعنويات الأسواق في مطلع 2026. وسيحتاج المستثمرون إلى مرونة عالية ومتابعة دقيقة للبيانات المقبلة، في ظل توازن دقيق بين دعم النمو واستعادة الاستقرار السعري الكامل.