أظهرت بيانات مؤشر مديري المشتريات الأمريكي الأولي (Flash PMI) الصادرة عن S&P Global قبل نحو ساعة تباطؤًا ملحوظًا في النشاط الاقتصادي، ما أثار تساؤلات جديدة حول قوة الاقتصاد الأمريكي، بالتزامن مع تجدد المخاوف بشأن استمرار الضغوط التضخمية.
وبحسب القراءة الأولية لشهر فبراير، تراجع مؤشر مديري المشتريات الصناعي (Manufacturing PMI) إلى 51.2 مقابل 52.4 في يناير، ليسجل أدنى مستوى في سبعة أشهر. ورغم بقائه فوق مستوى 50 الفاصل بين النمو والانكماش، فإن وتيرة التوسع هي الأضعف منذ الصيف الماضي.
كما انخفض مؤشر الإنتاج المركب (Composite PMI Output Index) إلى 52.3 من 53.0، وهو أدنى مستوى في عشرة أشهر، ما يعكس تباطؤ النمو في كل من قطاعي الصناعة والخدمات. وتراجع مؤشر الإنتاج الصناعي إلى 52.3 من 55.2، في إشارة واضحة إلى ضعف زخم التصنيع.
تباطؤ الطلب وتراجع الصادرات
يعكس التقرير تراجعًا في ظروف الطلب، حيث انخفضت الطلبيات الجديدة للمصانع للمرة الثانية خلال ثلاثة أشهر، بينما تراجعت طلبيات التصدير بأحد أسرع المعدلات المسجلة خلال العام الماضي.
وأشارت الشركات إلى عدة عوامل ضاغطة، منها:
- ارتفاع الأسعار
- تأثيرات الرسوم الجمركية
- تراجع القدرة الشرائية
- ضعف ثقة العملاء
كما ساهمت الأحوال الجوية الشتوية القاسية في تعطيل الإنتاج والأنشطة الخدمية، ما أضاف عامل ضغط مؤقت على الأداء.
ورغم استمرار القطاع الصناعي في التوسع، فإن وتيرة التباطؤ تشير إلى ضعف تدريجي في الزخم الاقتصادي مع دخول الربع الأول من 2026.
تباطؤ في التوظيف
سجل التوظيف نموًا هامشيًا فقط للشهر الثالث على التوالي، وهو أبطأ معدل توظيف منذ أبريل الماضي. وكاد نمو الوظائف في القطاع الصناعي أن يتوقف، في ظل حذر الشركات نتيجة ضعف المبيعات وارتفاع تكاليف المدخلات.
في المقابل، تراكمت الأعمال غير المنجزة في قطاع الخدمات بأسرع وتيرة منذ مايو 2022، بينما تراجعت الأعمال المتراكمة في التصنيع مع تفوق الإنتاج على الطلبات الجديدة.
عودة الضغوط على سلاسل الإمداد
شهدت فترات تسليم الموردين أطول تأخير منذ أكتوبر 2022، وهو مستوى ارتبط سابقًا باضطرابات الجائحة. وأرجعت الشركات ذلك إلى سوء الأحوال الجوية والاختناقات اللوجستية وتأثير السياسات الجمركية.
كما انخفضت مخزونات المدخلات بأسرع وتيرة خلال أكثر من عام، ما يعكس انخفاض وتيرة الشراء إلى جانب تحديات الإمداد.
عودة هذه الضغوط تمثل مصدر قلق لصناع السياسة النقدية في ظل استمرار التضخم.
قفزة في الأسعار خاصة في الخدمات
أحد أبرز التطورات تمثل في تجدد ارتفاع الأسعار:
ارتفع متوسط أسعار البيع بأسرع وتيرة منذ أغسطس الماضي.
تباطأ تضخم أسعار السلع الصناعية قليلًا نتيجة الخصومات لتحفيز الطلب.
في المقابل، تسارع تضخم قطاع الخدمات إلى أعلى مستوى في سبعة أشهر، وهو من أقوى الارتفاعات خلال أكثر من ثلاث سنوات.
كما بقيت تكاليف المدخلات مرتفعة، مدفوعة بارتفاع أسعار الموردين والرسوم الجمركية وتكاليف العمالة.
هذا المزيج بين تباطؤ النمو واستمرار الضغوط السعرية يعقّد توقعات الاحتياطي الفيدرالي بشأن خفض الفائدة.
رد فعل الأسواق: عوائد ترتفع والأسهم متباينة
تفاعلت الأسواق سريعًا مع البيانات:
عوائد سندات الخزانة الأمريكية ارتفعت بشكل طفيف مع تزايد المخاوف من استمرار التضخم.
الدولار الأمريكي سجل مكاسب محدودة بدعم من توقعات تأجيل خفض الفائدة.
الأسهم أظهرت أداءً متباينًا، حيث تعرضت أسهم الصناعات والتصنيع لضغوط، بينما تفوقت بعض القطاعات الدفاعية.
أسهم التكنولوجيا الحساسة للفائدة تراجعت في البداية مع إعادة تقييم بيئة “الفائدة المرتفعة لفترة أطول”.
هل هو تباطؤ مؤقت أم بداية فتور أوسع؟
رغم تباطؤ فبراير، ارتفعت توقعات الشركات للعام المقبل إلى أعلى مستوى في 13 شهرًا، مع تفاؤل بتحسن الطقس، وتحسن الظروف المالية، واحتمال تحفيز ضريبي.
لكن الثقة المستقبلية لا تزال دون متوسطها التاريخي، في ظل استمرار القلق من الرسوم الجمركية والضبابية السياسية.
ماذا يعني ذلك للفيدرالي؟
تقدم بيانات PMI إشارة مزدوجة لصناع القرار:
تباطؤ النمو قد يدعم خفض الفائدة لاحقًا.
استمرار الضغوط التضخمية، خاصة في الخدمات، يدعم نهجًا حذرًا.
وبالتالي، من المرجح أن يعزز التقرير موقف الفيدرالي القائم على “الاعتماد على البيانات” دون استعجال في التيسير النقدي.
الخلاصة
تُظهر بيانات مؤشر PMI لشهر فبراير توازنًا دقيقًا في الاقتصاد الأمريكي:
النمو يتباطأ إلى أضعف وتيرة في عشرة أشهر، بينما تظل الضغوط السعرية مرتفعة.
بالنسبة للأسواق، المشهد معقد:
ضعف الطلب والتوظيف من جهة، مقابل تضخم مستمر وضغوط في سلاسل الإمداد من جهة أخرى.
هذا التباين قد يكون عنصرًا حاسمًا في تحديد مسار الفائدة وتحركات الأصول خلال الأشهر المقبلة.