تقرير JOLTS يكشف ضعفًا متزايدًا في التوظيف
واشنطن – أظهر أحدث إصدار من مسح فرص العمل ودوران العمالة (JOLTS) الصادر اليوم عن مكتب إحصاءات العمل الأميركي (BLS) تراجعًا ملحوظًا في عدد الوظائف الشاغرة خلال نوفمبر 2025. ما يشير إلى مزيد من التباطؤ في سوق العمل الأميركي. ووفقًا لبيانات BLS، انخفضت فرص العمل بأكثر من المتوقع بنحو 303 آلاف وظيفة لتصل إلى حوالي 7.15 مليون. وهو من أدنى مستويات الوظائف غير المشغولة منذ قرابة خمس سنوات. ويعكس هذا الانخفاض الحاد غير المتوقع استمرار حذر الشركات في توسيع القوى العاملة رغم نمو الاقتصاد. ما يثير تساؤلات حول متانة الطلب على العمالة في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي.
ويُعد تقرير JOLTS مؤشرًا شهريًا مستقلاً عن أرقام الرواتب الرئيسية في تقرير الوظائف، إذ يقدّم رؤية أعمق لطلب أصحاب العمل على العمالة وديناميكيات السوق. ورغم تسجيل مؤشرات أخرى لإضافة وظائف في وقت سابق من الأسبوع، ترسم أرقام JOLTS صورة أكثر تحفظًا لاستعداد الشركات لخلق وظائف جديدة. فقد بلغ إجمالي الوظائف المعلنة بنهاية نوفمبر نحو 7.1 مليون مقارنة بنحو 7.4 مليون في أكتوبر. وهو ثاني أدنى مستوى خارج فترات الاضطراب المرتبطة بالجائحة في السنوات الأخيرة. وفي الوقت نفسه، أظهرت أنشطة التوظيف تباطؤًا، مع انخفاض عدد العمال الجدد الذين تم تعيينهم مقارنة بالأشهر السابقة.
ويشير اقتصاديون إلى أن البيانات تعكس انتقال سوق العمل من مرحلة الازدهار التي أعقبت الجائحة إلى نمط “توظيف منخفض وتسريح منخفض”. حيث تتجنب الشركات التوسع في التوظيف مع الامتناع في الوقت ذاته عن تنفيذ موجات تسريح واسعة. ويوفر ذلك قدرًا من الاستقرار للموظفين الحاليين. لكنه يجعل العثور على فرص عمل أكثر صعوبة للباحثين عنها. كما يلفت بعض المحللين إلى تغيّرات هيكلية،مثل زيادة الأتمتة، وتحوّل نماذج الأعمال، وتبدّل الطلب بين القطاعات، قد تسهم في ضعف فرص العمل رغم استمرار نمو الناتج المحلي الإجمالي.
اتجاهات القطاعات والفوارق الإقليمية: ماذا تقول الأرقام؟
يوفّر تقرير JOLTS الأخير تفصيلاً بحسب القطاعات، مبرزًا تباينات واضحة داخل البيانات العامة. فبينما تراجعت فرص العمل إجمالاً، واصلت قطاعات مثل الرعاية الصحية والتعليم وتجارة التجزئة تسجيل نشاط توظيف محدود، وإن كان أقل من مستويات بداية العام. في المقابل، شهدت قطاعات النقل والتخزين والتجارة انخفاضات أشد في إعلانات الوظائف، ما يعكس حذرًا أكبر لدى أصحاب العمل. وتتوافق هذه الأنماط مع إشارات اقتصادية أوسع تشير إلى ضعف الطلب على العمالة في القطاعات الدورية. مقابل استمرار القطاعات الأكثر استقرارًا في استيعاب عمالة جديدة.
كما بدت عمليات التسريح والانفصال الوظيفي،بما يشمل الاستقالات والتقاعد وإنهاء الخدمة،محدودة، بما ينسجم مع مؤشرات سابقة على أن الشركات تكبح التسريحات حتى مع تقليص التوظيف. ويسهم ذلك في تباطؤ دوران العمالة، ما قد يقلل من مرونة تنقل العاملين ويُبقي معدلات الدوران دون المتوسطات التاريخية. ويحذّر محللون من أن هذه الظروف قد تضغط على نمو الأجور وتحدّ من الإنفاق الاستهلاكي إذا واجه الباحثون عن عمل فرصًا أقل للانتقال إلى وظائف ذات رواتب أعلى.
تداعيات على الأسواق والسياسة النقدية: نظرة مستقبلية
تراقب الأسواق المالية وصنّاع السياسات عن كثب تداعيات تراجع بيانات JOLTS. وبالنسبة للمستثمرين، تُعد فرص العمل مؤشرًا استباقيًا مهمًا لقوة سوق العمل مستقبلًا؛ إذ قد يشير ضعف الطلب إلى تباطؤ تضخم الأجور. ومن ثم التأثير على توقعات سياسة الاحتياطي الفيدرالي. وقد جاء رد فعل الأسواق متباينًا: إذ حافظت بعض مؤشرات الأسهم على قربها من القمم الأخيرة. بينما شهدت أسواق السندات تحركات محدودة مع إعادة تسعير توقعات أسعار الفائدة في ضوء البيانات الأضعف.
وأكد مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي مرارًا أن ظروف سوق العمل،وخاصة نمو الوظائف وضغوط الأجور،محورية في قرارات الفائدة. وقد يُخفف تراجع فرص العمل، لا سيما إذا ترافق مع مؤشرات أخرى على تباطؤ التوظيف، من الحاجة إلى مزيد من التشديد أو يفتح باب النقاش حول تيسير محتمل لاحقًا هذا العام. ومع ذلك، سيوازن صناع القرار هذه القراءة مع بيانات التضخم والأداء الاقتصادي العام عند رسم مسار السياسة لعام 2026.
نظرة إلى الأمام: ما الذي يجب متابعته؟
يترقّب المحللون تفاعل تقرير JOLTS مع مؤشرات العمل الأخرى خلال الأيام المقبلة. خصوصًا تقرير أوضاع التوظيف الشهري الصادر عن BLS، والذي يشمل الوظائف غير الزراعية ومعدل البطالة، والمقرر صدوره لاحقًا هذا الأسبوع. وإذا أكدت هذه البيانات اتجاه تباطؤ الطلب على العمالة وتواضع التوظيف، فقد يعزّز ذلك سردية سوق عمل آخذة في البرود. بما ينعكس على نماذج التوقعات الاقتصادية واستراتيجيات الاستثمار عبر فئات الأصول.
وبالنسبة للباحثين عن عمل، تبرز بيانات JOLTS تحديات مستمرة في العثور على فرص. رغم استمرار الإعلان عن وظائف في بعض القطاعات. أما لأصحاب العمل، فهي تعكس ثقة حذرة في توسيع القوى العاملة. وبالنسبة للأسواق، يضيف التقرير اليوم قطعة مهمة لفهم تطور قوة الاقتصاد الأميركي مع انتقاله إلى عام 2026.